لا يخفى على مراقب مطلع أو غافل الآن تحويل الحملة الأميركية الغربية على الإرهاب ضد المسلمين وأوطانهم وثقافاتهم.
إلى حد بعيد نجحت الحملة الإعلامية المحمومة في توثيق عملية الربط بين الإرهاب والفكر الإسلامي استغلالاً لعدة عوامل. أهم تلك العوامل هو تدني مستوى المعرفة لدى الآخرين بحقيقة الروح والثقافة والفكر الإسلامي الذي هو دين سلام وتسامح وتعاون ومسايرة ورفض للظلم وتعايش مميز مع جميع الديانات والمعتقدات. العالم الإسلامي بأكمله يواجه الآن «محكمة تفتيش» دولية عالمية معلنة شكلتها الإدارة الأميركية عقب حوادث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 المثيرة للجدل.
لم تكتف الحملات الإعلامية الهادفة باستهداف الأشخاص والجماعات الصغيرة المسلحة ممن تتهمها بالإرهاب والتعصب والتشدد حين بدأت الخوض في تعميم الفكرة على الأهداف الإسلامية الأكبر والأسمى لتشويهها والنيل منها.
الفكر والشخصية والتاريخ والجغرافية العربية والإسلامية تقع الآن في «مرمى نيران» تلك الحملات. يجري تلخيص التاريخ والفكر والأيديولوجية الإسلامية بحطة وعقال وكوفية وعمامة وخنجر وسيف، وتصويرها للعامة على أنها مصدر للشر وأعمال العنف والشيطنة. على تلك الصورة النمطية يتم نفث كافة النعوت الحاقدة والسموم والأفكار المغلوطة التي تؤدي بالمصدّق بها إلى التحول إلى إرهابي ضد كل ما هو إسلامي أو يمت للإسلام بصلة. يحدث ذلك حتى لدى البعض من الذين تفعل الغمامة فعلها إذا ما وُضعت على أو وضعوها بأنفسهم على عيونهم.
من المؤسف أن الحملة الإعلامية تمر من فوق رؤوس وتحت أنوف كل المؤسسات الدولية والإقليمية. كان من المفترض أن هذه المنظمات تعي أهمية اختلاف الثقافات والأديان والحضارات وضرورة احترامها والحفاظ عليها من عبث العابثين أياً كانوا. الأمم المتحدة، وتحت سطوة مجلس الأمن الدولي، لم تحرك ساكناً حتى الآن لوقف حملة اللغط الفكري والثقافي والإعلامي ضد الحضارة الإسلامية السامية. منظمات إقليمية أخرى كالاتحاد الأوروبي ومنظمة الكومنولث ومنظمة الدول الفرانكوفونية وغيرِها من الهيئات لم تبد أي تحرك ضد هذه الحملات الإرهابية المضلِّلة على بلاد ومعتقدات العرب والمسلمين. ذلك بالرغم من عضوية المنظمات المذكورة أعلاه واحتوائها في كياناتها على جاليات أو دول عربية وإسلامية لا بأس بحجمها. حتى منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية تقفان مكتوفتي الأيدي إزاء الهجمات بل الاعتداءات الإعلامية والثقافية الجارية على قدم وساق. ذلك يعد سكوتاً مخجلاً من مسؤولين ومؤسسات يزعمون أنهم ينشدون حفظ واحترام حقوق الآخرين من مستوى أفراد إلى جماعات صغيرة إلى متمردين بهذا الشكل أو ذاك.
بالاستطاعة تقديم احتجاج جماعي من مجموعة كبيرة من الدول والأنظمة والكيانات والتنظيمات وحتى الشعوب. في لائحة الاحتجاج يتم توجيه اتهام رسمي للإدارة الأميركية على قيامها ورعايتها ودعمها لحملة إعلامية إرهابية منظمة ومبرمجة وبالطبع غير قانونية.
تستهدف الحملة المحمومة النيل من فكر ديني وثقافة عالمية عريقة بطريقة مبتذلة مليئة بالمغالطات والسخرية والأحقاد ومعمّدة بنزعات التحريض على العنف والانتقام وإرهاب الدولة. العالم الإسلامي الآن يعامَل معاملة الهنود الحمر وقدامى الملوّنين في القارة الأميركية من حيث أسلوب التنميط والازدراء وتوجيه الاعتداءات بهدف الإلقاء باتجاه نفس المصير.
والحال هذه فإن الإدارة الأميركية تشرف على جريان جريمة حرب منظمة متعددة الوجوه العسكرية والثقافية والفكرية والسياسية. في النهاية فإن ذلك يجري ضمن محاولة مكشوفة لضرب ثقافة وعقيدة عالمية والإحلال محلها بثقافة مادية تخدم أهدافاً غير نبيلة.
بسبب التقاعس في مواجهة الحملة الإعلامية على الإسلام والمسلمين بدأت شخصيات ومجموعات بشرية أخرى بتقديم التعاطف والدعم. مثلاً وزير الداخلية الألماني يدعو إلى تعميم فكرة الحملة على الرموز الإسلامية أينما يصبح ذلك ممكناً؛ الحجة هي تلك الأسطوانة المشروخة المتمثلة بالتغني باحترام حرية الصحافة والإبداع!.
لكن كان من الأجدر على الوزير الألماني أن يعمم فكرة الرسوم المسيئة للرموز ويركزها على رموز التاريخ الألماني (وحاشى للتشبيه بالتاريخ الإسلامي)، وبذلك يُغني أعمال رسامي الكاريكاتير المبدعين! بالصور المثيرة للهزل والتحقير والازدراء. وماذا لو تخصص رسامو الكاريكاتير الصهاينة أو المتصهينون في التركيز على التاريخ الإسرائيلي المرعب والذي يثير التقزز في النفوس؟!.
في ذلك ما قتل الأطفال الرضع بشكل جماعي في قطاع غزة المحاصر إلا نقطة في بحر التاريخ الإسرائيلي اليهودي الحاقد على الآخرين حتى النخاع في العظم. أخيراً كان من الأجدر على حفنة المثقفين العرب الذين يتعاطفون مع مبدأ حرية الرأي الغربية أن يتلاهوا برسم سلسلة طويلة من رسوم الكاريكاتير تركز على تصرفاتهم المحمومة البائسة المشبعة بالمراءاة والنفاق للآخرين على حساب بني قومهم.
الأنظمة السياسية الإسلامية مدعوة أكثر من أي وقت مضى للتخلي عن دورها التقليدي في المحافظة على العلاقات مع الحكومات الغربية والتغاضي عن مفاتحتها بشأن أمور حساسة تخص الحملة على الإسلام. لقد بدأ «وحش الحضارات» الأميركي يدخل إلى المجتمعات الإسلامية ويتعامل مع أدق التفاصيل.
اليوم هناك دعوات صريحة متزايدة لتحريف النصوص الثابتة المقدسة بما يرضي التصورات الأميركية. من هذه الدعوات ما يعتبر الدفاع عن المقدسات والشعوب والأوطان من باب الإرهاب والعنف غير المقبول. بذلك تقع الأجيال والأوطان والمقدرات أهدافاً سهلة للاجتياح الأميركي الحديث.
وما الحالات الفلسطينية واللبنانية والسودانية والأفغانية والعراقية وغيرها إلا أمثلة تعبر عن التوجه الأميركي والغربي القديم الجديد تجاه الفكر الإسلامي.
على الشعوب والأنظمة التلاقي والاتحاد بهدف الوقوف ضد الهجمة الشرسة التي لا يبدو أنها ستتوقف عند تخوم مكة المكرمة كما جرى في حملة «أبرهة الأشرم» الحبشي في عام الفيل قبل بدء التاريخ الهجري بحوالي أربعين عاماً. لقد وصلت الأفكار الأميركية والصهيونية العقائدية إلى دفاتر وكراسات تعليم الأطفال الصغار.
بات على العالم الإسلامي القيام بحملة منظمة حضارية معاكسة تعبر عن الوجه الحقيقي للإسلام في وجه الصلف والعربدة والإرهاب المفروض على الشعوب. على الحملة المعاكسة العالمية هذه أن تظهر التاريخ الإسلامي الحقيقي المشرق الخالي من المسخ الذي أصابه على يد المستشرقين والمستغربين والحاقدين من أتباع المبادئ والعقائد الأخرى.
الدين الإسلامي رسالة تخص الجنس البشري عامة يسعى للحفاظ عليه من الفساد والتشويه والتعفن الأخلاقي المؤدي إلى الفوضى والانحلال وهدر حقوق وشخصية الإنسان عموماً، والمرأة خصوصاً. لا توجد في الثقافات العالمية ثقافة أكثر من الإسلام حرصاً على رفعة وتقدم وتطور وازدهار واحترام الجنس البشري والأمثال على ذلك كثيرة من عمق الماضي حتى الحاضر الحالي.
الفكر الإسلامي مدعاة للفخر وليس مدعاة للشعور باليأس والتشاؤم كما تحاول الحملات الإعلامية المحمومة الهادفة إحداثه في النفوس باستخدام وسائل اقتصادية ومالية ونفسية ومعنوية.
الدين الذي يدعو إلى السمو والعلو في مكارم الأخلاق وقطع دابر المنافقين والكذابين واللصوص والنصابين والدجالين لهو دين جدير بالاتباع والاعتناق. ذلك بعكس الفكر والثقافة التي تنتج كذابين وسفاحين وقتلة شعوب وأعداء حضارات كما هو حال الثقافات الاستعمارية الإمبريالية القديمة والحديثة.
لكن وفي النهاية فإن الحملة على الإسلام وإن تبدو للبعض بأنها ناجحة إلا أنها تواجه مصيراً قاتماً بسبب محاربتها لفكر وعقيدة تجمع بين المثالية والواقعية والفكر المتعدد بشكل لا نظير له، وعلى مدى مئات السنين من الآن.
جامعة الإمارات