الرجوع إلى الصواب دائما خير من المكابرة في الخطأ، وشجاعة المراجعة للتبعية أو للتماهي مع ما هو غربي فيما نقول أو نفعل بل والتراجع أحيانا هو أقوى الأدلة على ثقافة المثقف، وشجاعة المفكر، والثقة بسلامة آليات التفكير والعمل.
مع اليقين أن فكر البشر القابل باستمرار للتعديل والتغير تبعا للظروف المتغيرة، لا يملك أن يؤكد بعقله المحدود ما هو حتمي، لسبب بسيط هو أنه قد يسيطر بفكره على بعض البشر، لكنه لا يمكن أن يرقى إلى مستوى السيطرة على القدر.
والتراجع الفكري لبعض المفكرين الغربيين الذين بشروا بنهاية التاريخ بحتمية معينة سواء بالحتمية الرأسمالية ومن قبلهم بالحتمية الشيوعية أو بصراع الحضارات، وبتذويب الثقافات والهويات القومية في الحضارة الغربية..
والذين غذوا بأفكارهم المحافظين الأميركان الجدد، وإستراتيجية القرن الأميركية، وبرروا لشن الحروب للهيمنة على العالم، وروجوا للعولمة الاقتصادية واقتصاد السوق كمدخل لتذويب الحضارات والهويات غير الغربية في العولمة الثقافية، التي اتخذت طابع العداء للحضارة العربية الإسلامية.. أمر يستدعى التوقف.
واحد من أشهر هؤلاء هو المفكر الأميركي الياباني الأصل «فرانسيس فوكو ياما»، والذي بلا شك يعانى نفسيا وفكريا من آثار الهزيمة اليابانية العسكرية بقصف القنابل النووية الأميركية في الحرب العالمية الثانية، والتي أتبعتها هزيمة سياسية وثقافية ألحقتها بالتبعية للسياسة والثقافة الأميركية، وذلك تصديقا لمقولة «إن المهزوم يتبع المنتصر ويقلده» «لمفكرنا العربي الإسلامي» عبد الرحمن بن خلدون» مؤسس علم الاجتماع والذي سبق بأفكاره المفكر الفرنسي «أوجست كانت».
ويبدو أن «فوكو ياما» الذي انسلخ عن حضارته اليابانية الشرقية، وثقافته الأصلية، ليكون أميركي الجنسية وغربي الهوى، بتبشيره بنهاية التاريخ بانتصار الحضارة الغربية، وسيادة القيم الثقافية الغربية على القيم الثقافية الأخرى يعكس تلقائيا هزيمته الثقافية الشخصية على تجربة الهزيمة اليابانية، فيما حاول بنظريته التي أثارت الجدل تعميمها على العالم قبل أن يقوم بالمراجعة، وهو ما يحسب له كمفكر ولا يحسب عليه.
وقد ظهرت ملامح هذه المراجعة الفكرية في الكتب التي أصدرها، والمقالات التي ينشرها بالصحف الأميركية وفي المحاضرات التي يلقيها في السنوات الأخيرة في الأوساط الأكاديمية، وفي المحاضرة عن الديمقراطية التي ألقاها بمعهد دبي للإدارة الحكومية مؤخرا، فقد خلص فيها إلى عقم فكرة نشر الديمقراطية على الشعوب العربية والإسلامية بالقوة العسكرية، وهي الخدعة التي استخدمت كغطاء لعودة الاستعمار باحتلال العراق. وحول مراجعته الفكرية لنظرياته القديمة وطرحه لنظرياته الجديدة والتي يجب أن تبقى أيضا قابلة للقراءة النقدية، فلقد استوقفني ما قاله للزميلة الصحافية غادة سليم في حديث صحافي.
حيث قال فوكوياما «لماذا لا أغير رأيي.. لقد تبين لي أن كشف حساب السياسة الخارجية الأميركية سلبياً في محصلته. وأن الحرب على العراق كارثية بكل المعايير. لذا جاهرت باعترافي. وكثير من المحافظين الجدد غيروا آراءهم لكنهم يجدون صعوبة في الاعتراف بذلك علناً».
وحول ترويجه لنشر الديمقراطية بالقوة قال فوكوياما «لقد راجعت نفسي بشأن فاعلية استخدام القوة لنشر الديمقراطية ومحاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة. وكان اعتماد أساليب القوة الناعمة في رأيي هو الأجدى، والخطأ الذي وقعت فيه أميركا هو تدعيم الديمقراطية في مكان والتآمر عليها في مكان آخر..
لكن الأهم هو ما انتهى إليه فوكوياما بأن على كل دولة أن تختار النظام الذي يريده شعبها وليس ما تريده أميركا، فما يصلح لدولة لا يصلح لأخرى».
إن هذه المراجعة لا تستدعي منا التوقف فقط، بل تدعو المنبهرين العرب بكل ما يصدر عن الغرب دون قراءة نقدية، والذين سمحوا لأنفسهم بالجلوس في مقاعد المتلقين. وارتضوا لأنفسهم فقط دور المرددين، إلى المراجعة بل إلى التراجع أيضاً.