يحاول البعض في وسط أوروبا إجراء دراسة مقارنة لإظهار التباين في المواقف بين كل من تشيكيا وبولندا فيما يتعلق بموقفهما حيال الدرع الأميركية الواقية من الصواريخ المعادية، والتي من المفترض أن يستضيفها البلدان بشقّيها الراداري والصاروخي.
فبالرغم من أن المواقف المعلَنة للبلدين المذكورين المنتميين حديثا إلى دائرة النفوذ الأميركي ـ الأطلسي تبدو في إطارها العام متناسقة لا متباينة، إلا أن هناك من يعتقد دائما بأن ثمة اختلاف جذري في كيفية تبني الأسلوب الذي تتعامل من خلاله الدولتان مع هذا الملف الحساس. وينطلق هؤلاء في قناعاتهم من رصدهم للتحرك الدبلوماسي المكثف الذي نشهده خلال المرحلة الحالية، بحيث تبدو خيارات البلدين متفاوتة (على الأقل في مظاهرها الإعلامية) في حين أن جوهرها المبدئي قد يبدو متشابها إلى حد كبير.
فأين هي مكامن الاختلاف إن وجدت بالفعل، وهل سنشهد انقساما كبيرا في الآراء بين الدولتين الحليفتين ما سيؤدي إلى تفتيت مشروع الدرع الأميركية الواقية التي تستعد شيئا فشيئا للتمدّد على مسافة خطيرة من حدود المصالح الاستراتيجية الروسية؟
لا يزال كثيرون يعتقدون في هذا السياق بأن بولندا تعاطت بجدّية أكبر مع هذا الملف في كافة المحادثات التي أجرتها مع الإدارة الأميركية وآخرها تلك التي خاضها مؤخرا في البيت الأبيض رئيس وزرائها شخصيا دونالد توسك. فقد دافع المذكور عن الاستراتيجية التي تبنتها حكومته مؤخرا لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والعسكرية، لاسيما تلك المرتبطة بتأمين أكبر وقاية دفاعية للأراضي البولندية، بهدف ردع أي هجوم روسي محتمل.
ولم نتفاجأ كثيرا عندما شدّد توسك خلال تلك المحادثات على طلبه تركيز صواريخ متطورة من طراز «باتريوت 3 » أو « ثاد» أو ما يعادلهما، لأن ذلك الأمر كان مطروحا منذ فترة انطلاقا من القناعة التي باتت سائدة لدى القيادة البولندية ومن يتعاطف معها من الشعب، بأن الأراضي البولندية ستعتبر خلال الفترة القريبة هدفا استراتيجيا للصواريخ المعادية في حال أصرت القيادة على المضي قدما في مساهماتها لتنفيذ مشروع التوسع العسكري الأميركي نحو الشرق الأوروبي.
الشيء الآخر الذي يمكن احتسابه لصالح بولندا، هو أن رئيس وزرائها تمكّن خلال محادثاته مع الرئيس الأميركي من الحصول على وعد لبدء العمل بشكل جدي من أجل تحقيق طموحات القيادة العسكرية البولندية وإطلاق مشروع تطوير القوات العسكرية من خلال تزويدها بمعدات أميركية متطورة. يضاف إلى ذلك بالطبع سلسلة من الوعود الخاصة بتعزيز التعاون في أكثر من مجال اقتصادي وسياسي وثقافي، والتي هي ليست في واقع الأمر سوى بهرجة إعلامية يستغلّها المسؤول المعني في ساحته الداخلية.
مقابل هذا التحرك البولندي الهجومي إن صح التعبير، اتّسم التحرك التشيكي بما قد أصفه شخصيا بمرونة أكبر في التفاوض مع الجانب الأميركي دون أن يكون ذلك محكوما بتحقيق أهداف ذات مصلحة ذاتية محددة، في حين يصفه آخرون بتساهل تام في تجاهل المصالح الوطنية. فقد أظهرت القيادة التشيكية رغبة جامحة في استكمال مشروع الدرع الواقية وخصوصا ما يتعلق منه بالشق الراداري الذي ستستضيفه فوق أراضيها، منطلقة في ذلك من قناعات كثيرة تولّدت لدى صناع القرار الذين استلموا زمام السلطة بعد انهيار الحكم الشمولي.
ويبدو بأن هؤلاء أرادوا من تحرّكهم المرن أو المتساهل لا فرق، تأكيد رغبة القيادة بربط عملية تركيز القاعدة في تشيكيا بالخيار السياسي الشامل، المطلوب منه أن يحدد بشكل واضح الانتماء المستقبلي للبلاد.
خصوصا وتعتقد بأنها قد أنجزت أبرز أهداف الثورة المخملية المتجسدة بضم تشيكيا إلى المحور الأطلسي ـ الأوروبي الغربي، في حين أن المطلوب في الوقت الحاضر هو إجراء عملية توضيح أوسع للخيارات العسكرية الحساسة التي تسعى القيادة التشيكية من خلالها لتحقيق جملة من الأمور وأبرزها:
ـ تكريس الواقع الجيوسياسي الجديد للمنطقة برمّتها، وما ينتج عنه تاليا من تحديد لمصالح النفوذ بحيث تبقى تشيكيا، وغيرها من الدول، في دائرة النفوذ الأميركي إلى الأبد.
ـ المساهمة بتمديد ذلك النفوذ إلى مزيد من الدول في شرق أوروبا، بحيث تتم محاصرة الدور الذي ترغب روسيا بلعبه مجددا، أو على الأقل منعها من نشر نفوذها في دول تقع على حدود الدول الأعضاء في حلف الناتو.
وإذا أخذنا الأمور من هذا المقياس، فإننا نتوصل لقناعة مفادها أن القيادة التشيكية بدت من خلال تحركاتها الدبلوماسية العديدة وكأنها تحاول تغليب المصالح الاستراتيجية ذات البعد المستقبلي على المصالح المرتبطة بمنافع ذاتية مختلفة الأبعاد، وإن كانت في بعض تحرّكاتها قد حاولت إيهام الرأي العام المحلي بأنها تمكنت من تحقيق جملة من الأمور التي سيستفيد منها التشيك الراغبون بزيارة الولايات المتحدة (مثل تخفيف إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول).
ولعلّ ما يؤكد هذه الخيارات التشيكية هو ما يعلنه مسؤولو البلاد في مناسبات متكررة عن إصرارهم على المضي قدما في تنفيذها مهما كلفهم ذلك من ثمن، وبالتالي دحض جميع الإشاعات التي ترددت مؤخرا في وسط أوروبا عن احتمال إجراء أي تعديل في المسار الجيو سياسي والعسكري التشيكي.
انطلاقا مما سبق يبدو لنا بأن النفي هو أفضل إجابة على من يتساءل فيما إذا كانت مصالح بولندا وتشيكيا تتباين فعليا في تعاطيها مع ملف الدرع الواقية. فالبلدان متضامنان أصلا في تحديد الانتماء السياسي لكل منهما منذ أن قررا الانضمام في إطار سياسي تنظيمي واحد تمثله «مجموعة فيشيغراد»، والانطلاق منه إلى الإطار الأشمل المتجسد في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
ما تسعى إليه كل دولة هو ببساطة السعي لتكريس خياراتها انطلاقا من قراءة ذاتية لأهدافها السياسية الاستراتيجية وكيفية ملائمة مسألة تنفيذها في ظل الضغط الشعبي المحلي الرافض من حيث المبدأ لتسويق فكرة نشوء القواعد العسكرية الجديدة، أميركية كانت أم غير ذلك.
الدولتان متضامنتان إذا في نظرتهما للأمور العسكرية الاستراتيجية وما زالتا حتى هذه الساعة، برغم ما يشاع، مستعدّتان للمساهمة في فرض الواقع العسكري الجديد المتمثل بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية.
ويبدو بأن «الاختلاف» الذي تعبر عنه القيادة البولندية الحالية من خلال أدائها الدبلوماسي ليس سوى محاولة لكسب أكبر قدر ممكن من المنافع في وقت تستعد فيه الإدارة الأميركية الحالية لحزم حقائبها والرحيل من البيت الأبيض. أما القيادة التشيكية فتبدو مطمئنة إلى مكانتها البارزة في ذلك البيت، جمهوريا كان أم ديمقراطيا.
كاتب لبناني