القمة العربية القادمة أواخر هذا الشهر بدمشق ربما صارت كالقمة الإسلامية التي سبقتها منتصف هذا الشهر بداكار لا تقدم ولا تؤخر لأنها إنما تجسد مواقف الحكومات المشتركة فيها من القضايا المطروحة، وإن اختلفت رؤية حكومتين في موضوع واحد فالقرار يأتي منزوع الدسم حمّال أوجه يسمح للطرفين أن يجدا ملامح موقفيهما فيه!. فتصير هذه القمم معارض لعلاقات عامة تكلف مالا وتشد أعصابا دون تحقيق مكاسب. ولو أوكل للجان من سفراء الدول المعنية لأصدرت قرارات أفضل بلا تكاليف.
لقد أمكن استمرار هذه القمم باهظة التكاليف، قليلة الجدوى، لأن المشاركين فيها لا يخضعون لمساءلة حقيقية برلمانية أو شعبية بسبب أنيميا الديمقراطية لا سيما عربيا. أدى الجمود الرسمي العربي لظاهرتين: الأولى: التدخل الدولي بالشأن العربي بصورة غير مسبوقة. والثانية: بروز أنشطة غير حكومية اقتحمت الشأن العام وصارت تضع مقاييس وتقوم بمساءلات:
أولا: الحركات الجهادوية نصبت نفسها حماة للبيضة ودعاة لنظام خلافة بديل. ومع أنها كانت بداية معزولة، فإن تعديات السياسة الأميركية وعدوانية حليفها الإسرائيلي وفرت لها تعاطفا شعبيا.
ثانيا: الفضائيات العربية اقتداء بتجربة الجزيرة وسعت مساحة التناول المستقل للأحداث ووفرت منبرا للرأي الآخر.
ثالثا: عوامل كثيرة وسعت من هامش الحرية في كثير من البلدان العربية وصارت هناك منابر سياسية، وصحافية، تمارس قدرا من النقد وتطالب بمزيد من المساءلة والشفافية.
تنعقد هذه القمة وهناك قضايا كثيرة هامة تنتظرها:
الطفرة العالمية في القطاع الزراعي لارتباط المنتجات الزراعية بإنتاج الطاقة ـ الإيثانول ـ مما قفز بأسعار المواد الغذائية مهددا الأمن الغذائي تهديدا خطيرا.
السياسات الأميركية العالمية حققت عكس مقاصدها في مجال الذهب الأسود - البترول ـ فقفز سعر البرميل 300% في الثماني سنوات الأخيرة. هذا أطلق مطالبات كثيرة بمعرفة مآل إيرادات النفط لا سيما وقد بث مقياس الصناعات التعدينية (EII) وعيا جديدا حول هذا الملف.
العالم يضج بمخاطر البيئة وينبغي رسم سياسة قومية عربية وقائية.
المقاومة المسلحة المشروعة للاحتلال في العراق، وفلسطين، والصومال، ولبنان، عززت التطلعات الوطنية، والقومية، والإسلامية، وصارت لها قواعد شعبية عريضة تدلي بدلوها في الشأن العام.
هنالك عدد من المناطق الملتهبة القابلة لإشعال حروب أهلية أو إقليمية أدى التقاعس العربي لتدويلها تدويلا زاد الطين بلة ولا تصلح القرارات الروتينية معها بل تتطلب قرارات فاعلة، منها:
1. فلسطين: حيث راهنت إسرائيل والدعم الأميركي لها على الانقسام الفلسطيني بعد أن صنعته. لم تقبل أميركا وإسرائيل نتائج الانتخابات الفلسطينية وبعدد أبريل 2008 لمجلة فانيتي فير الأميركية وثق ديفد روز تقريرا حول قرار للإدارة الأميركية بإشعال حرب أهلية بين الفلسطينيين تؤدى بدعم إسرائيلي/ أميركي لإسقاط حكومة حماس المنتخبة.
لذلك استقال ديفيد وورمسير كبير مستشاري نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني واتهم إدارة بوش بالتحضير لحرب فلسطينية قذرة.
هذا معناه أن حل النزاع بالعودة لما كان عليه الحال في يونيو 2007، كما جاء بقرارات القمة الإسلامية، لا يجدي؛ والصحيح هو إعطاء أولوية لتوحيد الصف الفلسطيني للاتفاق على ترتيبات انتقالية يعقبها إجراء انتخابات عامة حرة، والاتفاق على هدنة مراقبة دوليا، وتعليق أية محادثات سلام إلى حين توحيد الصف الوطني الفلسطيني، فلا جدوى لمحادثات أو اتفاقيات جزئية. وقبل هذا كله لا بد من فك الحصار على غزة بأعجل ما يمكن.
2. العراق: حققت السياسة الأميركية بالعراق عكس أهدافها المعلنة. والمطلوب: تراضٍ وطنيٌ عراقي يشمل كافة القوى السياسية والمدنية، جلاء كافة القوات الأجنبية، مؤتمر إقليمي للعراق وكافة جيرانه لكفالة حسن الجوار واحترام السيادة العراقية.
3. لبنان: أوضح الكاتبان الأميركيان جون ميرشيمر، وستيفن والت بكتابهما «اللوبي الإسرائيلي» اتخاذ اللوبي لقرارين هامين: الأول: تصفية حزب الله بلبنان واستعد لأول فرصة فعندما أسر الجنديان الإسرائيليان تقرر التنفيذ. الثاني: اعتبار لبنان عتبة التحرك الأولى ضد «محور الشر» ويعقب هزيمة حلفاء المحور بلبنان تحرك ضد سوريا ثم إيران.
لا يتوقع انتظار المعنيين «بالمحور» هزيمة حلفائهم بلبنان ثم توجيه النيران نحوهم!. نعم ينبغي العمل على حسم اللبنانيين أمورهم الوطنية على أن يتمكن الدور العربي من حماية القرار اللبناني من التدخل الدولي والإقليمي.
4. الصومال: تدخل القوات الأثيوبية في الصومال بأية ذريعة باطل. والحل هو إجلاء القوات الأجنبية كلها واتفاق لوقف إطلاق النار برقابة عربية/ أفريقية/ دولية وعقد ملتقى صومالي جامع للاتفاق على حكم البلاد ديمقراطيا. يصاحب اتفاق الصوماليين مؤتمر إقليمي للصومال وجيرانه للالتزام بالأمن المشترك.
5. السودان: الخط الذي اتخذته الجامعة العربية سابقا بشأن السلام في دارفور، والخط الذي اتخذه مؤتمر القمة الإسلامي خط ميت لأنه لا يقوم على تشخيص صحيح للمسألة ويكتفي بمناشدة الأطراف التي لم توقع اتفاق أبوجا الذي ولد ميتا بالتوقيع عليه. التشخيص الصحيح لأزمة دارفور يؤكد أن توقيع الأحزاب المسلحة التي لم توقع غير وارد لأن الاتفاقية لم تستجب للمطالب المشروعة. وحتى إذا وقعوا في غياب الأغلبية الصامتة فلن يتحقق السلام. المطلوب لقاء جامع يحقق مطالب أهل دارفور المشروعة.
إذا اختارت القمة العربية القادمة الطريق الروتيني الذي طرقته القمة الإسلامية فهذا شأنها، ولكن ستجد أن قراراتها في الظروف العربية الراهنة ستستمطر عليها الانتقادات والإدانات.
الموقف الأميركي نفسه الذي احتضن الواقع العربي الراهن محمل بعوامل التغيير.
عبر محطات كثيرة عبّر الشعب الأميركي عن نقمته على سياسات الإدارة الحالية: نتائج الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2006م، تقرير بيكر/هاملتون الأخير عام 2006م، كتب كثيرة أهمها كتاب «اللوبي الإسرائيلي» المشار إليه، و«الطريق إلى الجحيم» لمايكل شودر.
ومقالات كثيرة أهمها: مقال جراهام فوللر «ماذا لو كان العالم بلا إسلام؟»، ومقال بول كندي: «ماذا لو وضعنا أنفسنا في مكانهم؟» ومقال نيويورك تايمز في 13/1/2008م (البحث عن أميركا التي نعرفها)، وغيرها.. خلاصة هذه الكتب ونصوص المقالات سأنشرها بإذن الله في كتاب بعنوان: «أصم أم يسمع غضريف الزمان؟»، حملة باراك أوباما الانتخابية التي تتسنم موجة التغيير. ومهما كان حظه في الفوز فإن حملته قد برهنت على اتساع القوى الاجتماعية والسياسية الأميركية التي تدين سياسات الإدارة الحالية وتطالب بالتغيير.
مؤتمر القمة العربي مطالب بالإضافة لقرارات بشأن الموضوعات المذكورة هنا، وأن يحدد ماهية التغيير الذي نطلبه في السياسة الأميركية لكي تكون عادلة ومقبولة؟. وذلك بصورة تساهم في المناظرات الدائرة في أميركا الآن، أن نطالبها بإعلان واضح بأن الصداقة العربية رهينة بقطع أية مساعدات اقتصادية وعسكرية لإسرائيل ما دامت لا تمتثل للقرارات الدولية بشأن رد الحقوق العربية لأهلها.
صحوة الشعوب العربية لم تعد تسمح باستمرار صداقة مع أميركا تدعم إسرائيل التي تمارس الصهيوفاشية وتمارس الهولوكوست الفلسطيني، وتغتصب الحقوق العربية الموثقة في قرارات الشرعية الدولية.
رئيس وزراء السودان السابق