لو نجحت الولايات المتحدة في تحقيق انتصار حاسم وشامل وسريع كما كان يأمل جورج بوش لكان الهدف الأميركي التالي سوريا.. ومن بعدها إيران، كان هذا مخطط عصابة «المحافظين الجدد» ـ طليعة الحركة اليهودية الصهيونية الأميركية المتحالفة مع جماعة «الإنجيليين الصهاينة» «هكذا تسمي نفسها» والتي تتخذ من الإدارة الأميركية ورئيسها أداة تنفيذية وواجهة خارجية، وكما يتضح الآن فان هذا المخطط يقع ضمن إستراتيجية أوسع وأعظم تحت مسمى «القرن الأميركي الجديد».

قبل بضع سنوات قال رئيس الحكومة الماليزية السابق د. مهاتير محمد في محفل عالمي علني أن الأمة اليهودية تسعى جدياً لكي تحكم العالم بأسره ـ أو على الأقل تفرض عليه سيطرة شاملة مستغلة الولايات المتحدة بمواردها الأسطورية ونفوذها العالمي كأداءة وواجهة، وهذا بالضبط هو الهدف الأكبر لإستراتيجية «القرن الأميركي الجديد».

الآن، وبحلول الذكرى الخامسة للغزو الأميركي للعراق نستحضر سقوط المبررات التي استندت إليها إدارة بوش في اتخاذ قرار الحرب، وهنا نتساءل: ألم تكن مجموعة المحافظين الجدد تدرك سلفاً بطلان هذه المبررات؟

بلى. ومن ثم التساؤل التالي: ما هي الأهداف الحقيقية غير المعلنة لغزو العراق واحتلاله؟

هما هدفان أولاً: فرض استيلاء كامل على احتياطيات النفط العراقي المقدرة بنحو 200 مليار برميل.. وتحتل المرتبة الثانية بعد الاحتياطيات النفطية السعودية.

ثانياً: إلغاء الرقم العراقي من معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكنهما هدفان مرحليان على أهميتهما.

ذلك أنه وفقاً للإستراتيجية العظمى يمهد تحقيق الهدفين بالكامل لشن حربين تاليتين على كل من سوريا وإيران بمشاركة إسرائيلية عسكرية مما يمهد بدوره بعد القضاء على «حماس» و«حزب الله» اللبناني للتوسع الإسرائيلي تحت عنوان «إسرائيل الكبرى» ـ على المدى الأبعد ـ من النيل إلى الفرات، لكن إستراتيجية المحافظين الجدد لفرض استعمار كامل ـ أميركي المظهر.. صهيوني المضمون ـ لا تقتصر وسائلها على الحروب العسكرية. فهناك وسائل اقتصادية ووسائل ثقافية أيضاً.

اقتصادياً تقضي الإستراتيجية بفرض حالة شاملة ومستديمة من تجويع الشعوب العربية والإسلامية عن طريق فرض وصفات «صندوق النقد الدولي» على الأنظمة الاستبدادية الحاكمة: إلغاء الدعم الحكومي على السلع التموينية الأساسية وفي مقدمتها الخبز وخفض قيمة العملة الوطنية بنسب كبيرة حتى تستشري الندرة السلعية والغلاء المتصاعد في السوق الاستهلاكية.

ثقافياً: تغيير المناهج الدراسية جذرياً لخلق أجيال جديدة تكون منزوعة الدسم الثقافي والأخلاقي. ويترافق مع ذلك غزو إعلامي تقوم إستراتيجيته على التشكيك المنهجي في الإسلام كعقيدة وأحكام وسلوك خلقي وأسلوب حياة.

ما مستقبل هذه الإستراتيجية الخطوة الاستهلالية ـ تحقيق انتصار أميركي كاسح وحاسم في العراق ـ منيت بفشل ذريع.. بل وأفرزت تداعيات سالبة ليس بوسع واشنطن التحكم فيها، لكن ليس معنى هذا أن تطبيق الإستراتيجية سوف يتوقف تماماً حتى في عهد الرئيس الأميركي القادم. غير أن سجل الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لا ينبئ إلا بعجز بنيوي في تقدير ردود الفعل.