المبادرة اليمنية، التي انتهت بـ «إعلان صنعاء»، بين «فتح و«حماس»؛ تأتي لتوفر فسحة وفرصة أمام الوضع الفلسطيني المعروف. فسحة لالتقاط الأنفاس ووقف التدهور في العلاقات.

وفرصة للشروع في ترميم الساحة الوطنية، المصابة بشروخ عميقة؛ باتت تهددها في الصميم. لكن قبل أن يجف حبر التوقيع، عادت ملامح الارتداد على الاتفاق لتطل برأسها، عبر التفسيرات المتضاربة لمضمونه.

وكأن هناك محاولة للتراجع المموّه، عن موافقة، تمت اضطرارا، من باب رفع العتب. أو كأن هناك لعبة تحسين شروط وتلميع موقف. الأمر الذي يذكّر بالنهايات المعروفة لاتفاقيات سابقة لاقت حتفها؛ بسبب حروب التأويل والتفسير، لها. «الإعلان»، صدر بشق النّفس.

ولادته استغرقت أربعة أيام من المباحثات الشاقة بين الوفدين . كما استدعت تدخل القيادة اليمنية لانتشالها من المطبّات والاختناقات. بالنهاية وبعد تسويات وتعديلات وتدوير زوايا؛ تمّ التوصل إلى صيغة حظيت بتوقيع الفصيلين. في ضوء ما أصاب الساحة، خاصة في غزة، على امتداد الأشهر العشرة الماضية؛ كان من الطبيعي النظر إلى هذا الإعلان، من زاوية أنه تطور واعد.

فقد ترك الانطباع بأن هناك مراجعة قد حصلت. خاصة وأن القطيعة أدت إلى وقوع خسائر صافية؛ أصابت الشعب الفلسطيني وقضيته، بقدر ما أصابت الطرفين. العدوان الإسرائيلي ازداد شراسة وتوسّعاً. استفرد بالقطاع وعمل على خنقه بحصار قاتل. هدّده بمحرقة وارتكب ضدّه مجزرة دموية وحشية. في ذات الوقت أدار الظهر للسلطة في رام الله؛ فأطلق العنان لجرّافته الاستيطانية؛ مع ممارسة التخريب المتواصل، على المفاوضات.

بيد أن ما أعقب التوقيع من ردود،«فتحاوية» و«حماسية»، سرعان ما وضع علامة استفهام كبيرة حول مثل هذا الاعتقاد. «حماس» رأت أن الإعلان ليس سوى« إطار جيّد للبدء بالحوار وليس شرطا للتنفيذ».

ردت السلطة بأن «استئناف الحوار يجب أن يتم على أساس تنفيذ المبادرة بكل بنودها وليس التعامل معها كإطار للحوار؛ لأن ذلك لن يؤدي إلى نتيجة». الفارق واضح بين الفهمين. والفجوة واسعة بينهما.لكن ليس في ذلك، بحدّ ذاته، ما يهدّد الاتفاق.

فالخلاف في التفسير مفهوم ومشروع؛ بصرف النظر عن جدارة هذا الموقف أو ذاك. ما يهدّد اتفاق صنعاء، هو عدم المسارعة إلى تطويق هذا الخلل والعمل على ردم الفجوة بين الفهمين. إلا إذا كان ذلك أبعد من سوء فهم؛ أو كان من صنف « إن وراء الأكمة ما وراءها». عندئذ تكون العملية لا أكثر من حلقة أخرى في لعبة شراء الوقت وتسجيل النقاط.

«إعلان صنعاء»، أمام خيارين: إما أن يكون خطوة سياسية جامعة؛ وإما أن يكون خبطة علاقات عامة. الأول يؤدي إلى لملمة الساحة الفلسطينية تمهيداً لوضعها من جديد على سكّة الوحدة الوطنية المطلوبة والضرورية. الثاني ، ليس سوى وصفة لدفع هذه الساحة نحو المزيد من النزف والتآكل؛ وبالتالي إلى المزيد من الخسائر.

اندلاع حرب التأويل، هو السبيل المحكوم بأخذ الوضع باتجاه الثاني. وعلى الفلسطينيين تقع مسؤولية الاختيار.