في العراق ثمة جريمة لم تزل فصولها تفتك على مدار الساعة بالضحية بلا رحمة، ولم يزل ثمة جدل حول هوية المجرم الذي يبدو أنه تمكن من نثر دم ضحيته على شتى القبائل والملل وإخفاء وجهه القبيح مرتديا عددا لا يحصى من الأقنعة المذهبية أو العرقية أو الطائفية أو الدينية، لكن وجه الضحية يبقى بعيدا عن أي إمكانية للتلاعب به مهما تحاذقت سكاكين قاتل مأجور يمارس مهنته بالوكالة عن غيره أم قاتل أصيل يمارس القتل بالأصالة عن نفسه وشركائه.
يقال في كواليس وسائل الإعلام إن الصورة سيدة الموقف ولها تعود الكلمة الفصل لأنها تعكس الواقع بأقل درجة ممكنة من تدخل الإنسان، وصورة «أزوريس» التي جمعت كل من طوني بلير وجورج دبليو بوش وخوسيه ماريا أثنار إثر إقرار غزو العراق في 16 مارس 2006 لم تزل حاضرة في أذهان الرأي العام العالمي، الذي تقاطرت جموع ممثليه بالملايين ونزلت إلى شوارع عدد كبير من مدن وعواصم العالم رفضا لذلك القرار الذي اتخذ في جو «مافيوزي» صرف تفوح منه رائحة جريمة قذرة كانت على وشك الحدوث، وحدثت على مرأى ومسمع العالم أجمع في مشهد يحيلنا إلى رواية «قصة موت معلن» للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.
من بوسعه نسيان تلك الضحكة الخبيثة التي ارتسمت على ثلاثة وجوه في مشهد أحالنا منذ تلك اللحظة إلى ملامح وجه مصاص الدماء دراكولا في ليلة اكتمال القمر حين كان عواء الذئب يرسم صورة ليل طويل آت في انتظار ضحية جديدة؟
لكن مع فارق بسيط يكمن في أن تلك الشخصية الأسطورية الخارجة من ظلمات أوروبا العصور الوسطى كانت ترتكب جرائهما وفق نظام فيزيولوجي صارم خارج عن إرادتها، بينما أصحاب الوجوه المعتمة الثلاثة اتخذوا قرارهم بمحض إرادتهم في انتظار تناول وجبة لذيذة لم تغب الأنخاب عنها والتقاط الصور التذكارية في ممارسة توحي بطقوس روتينية اعتيادية.
من بوسعه ألا يفكر في محاكمة مجرم على جريمته؟ ومن لا يتحرق شوقا لرؤيته واقفا أمام قاض عادل يعيد للضحية شيئا من خسارتها ويرد عنها بعض الظلم الذي وقع عليها؟
لا أحد، إلا المجرمين أنفسهم ومن لف لفهم من الأعوان والتابعين والمنفذين والمرتزقة المأجورين الذين تلطخت أيديهم بدماء الضحية أيضاً وسيطالهم لهيب من عقاب منتظر آت عندما تحين ساعة الحقيقة ويوضع كل طرف في هذه الجريمة التاريخية في مكانه الصحيح.
أول الغيث قطرة، وهذه القطرة جاءت هذه المرة من إسبانيا، حيث تسعى جمعية تدعى «جمعية محاكمة أثنار» إلى رفع دعوى ضده لارتكابه جرائم حرب في العراق، ويبدو أن جهود هذه الجمعية بدأت تؤتي أكلها بعد أن تمكن ائتلاف اليسار المتحد المعارض من تأمين دعم الحزب الاشتراكي الحاكم لاقتراحه الخاص بمحاكمة رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أثنار أمام محكمة العدل الدولية لتوريط بلده مع الولايات المتحدة في جريمة غزو العراق.
ولقد اشتد وطيس هذه المعركة التي تخوضها بعض القوى السياسية والتي تعمل في ميدان حقوق الإنسان في إسبانيا ضد اثنار إثر إمعان الأخير في موقفه من الحرب ودفاعه عنها، ذلك أنه لا يدخر فرصة إلا ويؤكد من خلالها موقفه المشين ذاك، الذي جاء فصله الأخير في سياق مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية قال فيها إن الوضع في العراق أفضل بكثير مما كان عليه قبل خمس سنوات مما أثار حملة احتجاجات شعبية ورسمية ضده في العالم عموما وفي إسبانيا على وجه الخصوص.
هذه الدعوة وغيرها من الدعوات التي تظهر هنا وهناك يجب ألا تخبو وألا تذهب أدراج الرياح، كما يتعين على كل صاحب غيرة على السلم والاستقرار وحقوق الإنسان وكل القوى والأشخاص الذين لا تزال الفطرة السليمة حية ترزق فيهم البناء عليها وتطويرها ورفدها بدماء جديدة من أي مكان على وجه الكرة الأرضية.
ولا سيما البلدان التي يعيش فيها أحد مرتكبي جريمة الحرب على العراق أو بعضا منهم عموما والمسؤولين عنها على وجه الخصوص. هذه الدعوة يجب أن يطلق لها العنان وأن تأخذ كل مدى ممكن لها بحيث يتعين على قوى السلم حول العالم العمل فورا على تشكيل جمعيات مماثلة لجمعية محاكمة أثنار عل العالم يصبح مكانا أرحب للعيش.
href="mailto:bassil@albayan.ae">bassil@albayan.ae