حينما يقول 90 بالمئة من العراقيين «إن الوضع الآن هو أسوأ مما كان عليه قبل الحرب»، وحينما يؤكد «أكثر من 79 بالمئة بأن الوضع الاقتصادي العراقي اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه قبل الحرب والغزو نقلاً عن استطلاع للرأي العام العراقي أجراه مركز العراق للبحوث والدراسات الاستراتيجية»، فإن هذه تعد أبرز شهادة عراقية استخلاصية يمكن الاستناد إليها في تقدير الموقف العراقي، فهذا هو قول الرأي العام العراقي القاطع...!.
وفي سياق تقدير الموقف في العراق أيضاً استخلصت مجلة «تايم» قاطعة «أن بغداد مازالت أكبر مركز لسفك الدماء على وجه الأرض وفي كل زمان»، ذلك أن المجازر والهدم والتدمير والهجرات الملاينية ونهر الدم العراقي لا تزال تتسيد المشهد العراقي بقوة مذهلة، على الرغم من ادعاءات المصادر السياسية والأمنية الأميركية أن «العراق أصبحت أكثر هدوءاً..!».
فعلى صعيد «المحرقة» والمجازر الجماعية على سبيل المثال جاء في دراسة أجراها أحد أبرز مراكز استطلاعات الرأي في بريطانيا «أن أكثر من مليون عراقي قتلوا في بلادهم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003»، وتوصل الاستطلاع الذي أجراه مركز «او ار بي» لاستطلاعات الرأي «أن 20 % من الأشخاص شهدت أسرهم وفاة واحدة على الأقل نتيجة الصراع وليس لأسباب طبيعية»، وحسب آخر إحصاء كامل لعدد السكان في العراق أجري عام 1997 قد أفاد أن هناك 05, 4 ملايين أسرة في البلاد وهو العدد الذي اعتمد عليه الباحثون في المركز ليخلصوا إلى أن نحو 03, 1 مليون شخص تقريباً لقوا حتفهم نتيجة الحرب ـ وكالات-31/01/2008».
يضاف إلى ذلك- في عملية جرد مفصل لمدى تفاقم الأوضاع العراقية ، أفاد تقرير لمنظمة أوكسفام البريطانية على سبيل المثال «ان 8 ملايين عراقي، أي حوالي ثلث الشعب، بحاجة ماسة للمساعدات»، و«ان 40% غادروا العراق، حتى 2006 بينما يعاني 28% من الأطفال سوء التغذية ـ وكالات».
وفي مسألة التهجير القسري للعراقيين قال الكاتب العراقي عبد الواحد الجصاني في مقالة منشورة بصحيفة خليجية «ان التهجير القسري لخمسة ملايين عراقي هو من أكثر جرائم هذا الاحتلال البربري خسّة»، مضيفاً «في البدء لا بد من تأكيد حقيقة أن التهجير القسري للعراقيين ليس ناتجاً عرضياً غير مقصود من نتائج الاحتلال.
بل هو جزء مركزي من مشروع الاحتلال الأميركي الهادف إلى نزع هوية العراق العربية وتقسيمه إلى دويلات طوائف»، وقد اعترف جورج تينيت في مذكراته (في قلب العاصفة) المنشورة في أبريل 2007 بهذه الحقيقة عندما قال «وسرعان ما تبيّن لنا وللعراقيين بوضوح أنّ هدف الغزو الأميركي هو أساساً إعادة تشكيل مجتمعهم».
ومن جهتها أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) «أن حياة ملايين الأطفال العراقيين مازالت مهددة بسبب العنف وسوء التغذية وقلة المياه الصالحة للشرب» وأضاف التقرير «أن حوالي 25 ألف طفل وعائلاتهم يجبرون كل شهر على الخروج من منازلهم واللجوء إلى مناطق أخرى من البلاد».
مؤكداً «أنه في نهاية عام 2007 أصبح 75 ألف طفل عراقي يعيشون في مخيمات أو مساكن مؤقتة»، وذكرت يونيسيف في تقريرها «أن قوات الجيش أو الشرطة اعتقلت نحو ألف و350 طفلاً بينهم كثيرون بسبب مزاعم عن انتهاكات أمنية»، بينما قال ممثل المنظمة في العراق روجر رايت «إن أطفال هذا البلد «يدفعون ثمناً باهظاً».
وعلى المستوى التعليمي أظهر بحث أجرته المنظمة الأممية عن الانقطاع الدراسي «أن 28% فقط ممن بلغوا سن السابعة عشرة اجتازوا امتحانات الثانوية العام/2007»، مضيفاً «أن نسبة من اجتازوا الامتحان النهائي في وسط وجنوبي العراق لم تتعد 40%»، وأشار تقرير يونيسيف إلى «أن عدد تلاميذ المدارس الابتدائية المتخلفين عن الدراسة خلال 2006 بلغ 760 ألفاً، إلا أن هذا الرقم ارتفع خلال العام 2007 بسبب انقطاع الدراسة لعدد متزايد من الأطفال النازحين من ديارهم».
ليصبح أطفال وشباب العراق في المحرقة العراقية المفتوحة على نحو بالغ الإجرامية المبيتة على أيدي الاحتلال الأميركي.
وعلى صعيد القمع والتنكيل والاعتقالات الجماعية للعراقيين وعلى نحو متكامل مع المعطيات أعلاه أكدت ممثلة اتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين المحامية سحر الياسري من جهتها «أن عدد المعتقلات والسجون في كافة محافظات العراق يبلغ 36 سجناً عدا أبوغريب الذي يعد الأرحم بين السجون رغم فضائحه الفظيعة».
وقالت في حوار أجرته مع العرب اليوم الأردنية على هامش مؤتمر نظمته اللجنة العالمية لمناهضة العزل بالتعاون مع جامعة بروكسيل الحرة بعنوان «إرهاب الحرب الأمريكية على الإرهاب» أن عدد السجناء العراقيين يصل إلى 400 ألف سجين منهم 6500 حدث و10 آلاف امرأة، تم اغتصاب 95% منهن «العرب اليوم».وهكذا كما نرى فإن العراق يعتبر عملياً أكبر معسكر اعتقال جماعي على وجه الكرة الأرضية .
وما يفاقم الكارثة العراقية أن هذه الأوضاع لن تتوقف وفقاً لرؤية الخبراء والمحللين، إذ أكد المحلل الاستراتيجي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن انتوني كوردسمان «أن حظوظ الجيش العراقي الذي تعول واشنطن على بنائه في حفظ الأمن والاستقرار في العراق لا تتجاوز 50 في المئة»، و«استبعد أن تستقر الأوضاع في البلد المحتل قبل العام 2012 إن لم يكن 2015»، وهو ما ذهب إليه أيضاً رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال بيتر شوميكر الذي أكد «أن مستوى القوات الأميركية في العراق سيبقى كما هو إلى حين حلول العام 2010».
وكان مواطنون عراقيون قد أعربوا عن رأيهم ملخصين الجرائم الأميركية بـ :«أن الاحتلال الأميركي لبلادهما نجح في تحقيق معجزتين هما: رافد ثالث يضاف إلى دجلة والفرات ويحمل اسم «نهر الدم»، و«سور السيارات العظيم» الذي يمتد أمام محطات الوقود في بلد يملك ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم».
وإذا ما أضفنا لذلك حقيقة ان العراقيين يتحدثون اليوم عن أكثر من مليون شهيد عراقي، فإن كل هذه المعطيات ترسم أمام العالم صورة سوداء للعراق اقرب إلى أن تكون كارثية هولوكوستية بكل ما تحمله هذه المصطلحات من مضامين وتداعيات واستخلاصات إجرامية لم يشهدها التاريخ.ويطل علينا الرئيس الأميركي في الذكرى الخامسة للغزو ليعلن انتصاره الاستراتيجي- تصوروا...!
كاتب فلسطيني
href="mailto:nawafzaru@yahoo.com">nawafzaru@yahoo.com