في ظل أزمة اقتصادية مترابطة الحلقات، ومتبادلة التأثير تطل بشبحها الخانق على الدول النامية وعلى الطبقة المتوسطة، تبدو ملامحها في انهيار قيمة الدولار، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والدواء، ويجرى فيه مبادلة النفط بالغذاء بعدما تحول الغذاء إلى سلعة استراتيجية مثل النفط..

تتصاعد موجات الغلاء كتسونامي جارف يكاد يغرق الجميع، وكحريق حارق يستثنى الأغنياء ولا يكوي بناره إلا الفقراء ومحدودي الدخل، ليس في المنطقة العربية فقط ولكن في العالم النامي كله.، فتبدأ بأسعار الغذاء وتمر بالطاقة ولا تنتهي عند العقارات التي وصلت كلفتها وأسعارها وإيجاراتها وندرتها إلى حد الجنون.

وهذا الأمر الذي يتحالف فيه الطمع مع المضاربات والاحتكارات والجشع ليزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا يهدد بتغيرات اجتماعية عالمية مأساوية لتزيد من دائرة الفقر بمئات الملايين الجدد، وذلك بسقوط العديد من الشرائح الاجتماعية المتوسطة الدخل في تلك الدائرة التي تشكل عارا على الإنسانية، التي تضم محدودي الدخول الذين لا تقوى دخولهم على تأمين الحد الأدنى للحياة الكريمة للغذاء والدواء والسكن..

وفي ظل وجود مليار إنسان من الفقراء الذين لا دخل لهم إلا دولار واحد يوميا أي ما لايزيد على ثلاثة دراهم ونصف فقط، ويهدد بالموت جوعا مليار آخرين من الذين هم تحت خط الفقر.. فإن مثل هذا الحريق الكبير يتطلب كل رجال الإطفاء من عقلاء وأغنياء العالم الشرفاء لمحاصرته ومنعه من الانتشار..

ويحتاج هذا التسونامي الخطير إلى وقفة عالمية وإقليمية وعربية ومحلية لبناء السد العالي لمواجهة أخطار هذا الطوفان الذي إن لم يتوقف، فسيهدد مستقبل السلام الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء في المجتمعات النامية، وبين دول الشمال الصناعية المصدرة للغذاء وخاصة القمح والذرة، ودول الجنوب الفقيرة المستوردة ليس للغذاء فقط ولكن أيضا للديون وللدواء ومواد البناء أيضاً.

إن ضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل إنسان على وجه الأرض، هو مسؤولية الإنسانية جمعاء، ومسؤولية المنظمات الأممية كما هي مسؤولية الهيئات الدولية ومسؤولي الحكومات كما هي مسؤولية الشعوب ومسؤولية الأغنياء مثلما هي مسؤولية الفقراء بمزيد من الإنتاج، ومزيد من العدالة في توزيع الثروة العالمية والثروة الوطنية بما لا يجعل الثراء يتم على حساب الفقراء، وبما يجعل الفقراء أقل فقرا والأغنياء أكثر غنى.

ولأن الغلاء في أسعار الغذاء بالذات بما لا يحتمله الفقراء يهدد بأفدح الأخطار لأن الجوع دائما كان سببا للانفجار الاجتماعي، ولأن الغذاء أصبح هو السلعة الاستراتيجية الأولى فإن الحل هو في الاتجاه للإنتاج وإلى المزيد من الإنتاج باستصلاح واستزراع المزيد من الأرض الصحراوية.

ويتطلب تكاملا استثماريا إنتاجيا بين رؤوس الأموال العربية والإسلامية والعلماء الزراعيين والفلاحين العرب، لزيادة إقامة محطات تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية وحفر المزيد من الآبار الجوفية لتوفير مزيد من المياه اللازمة لزراعة المزيد من مساحات الحبوب.

والاتجاه العاجل لزراعة 200 مليون فدان في السودان وغيرها بالقمح والذرة ليكون على المستوى العربي والإسلامي هو سلة الغذاء الاستراتيجي إن محاصرة حريق الغلاء بمزيد من جهود الإنتاج وبعدالة توزيع الثروة لمنع انتشار الفقر والجوع في العالم كإحدى أبرز المشاكل الإنسانية المتصلة مباشرة بقضية الحرب والسلام في العالم، هي التحدي الأبرز أمام الجميع الذي يتطلب استنهاض الاستجابة الجادة للقضاء عليه وتقريب الهوة الواسعة بين الدول الغنية والدول النامية، وبين مستويات الغنى والفقر داخل كل مجتمع.

وفي عالم تزداد فيه الهوة بين الشمال والجنوب بسبب السياسات العولمية الرأسمالية المتوحشة السائدة، وفى مجتمعات نامية وبسبب سياسات لا تضع البعد الاجتماعي بشكل كاف في برامج سياساتها الاقتصادية يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وهنا يصبح ملحا أمام الساعين من أجل السلام في العالم وفى المجتمعات التحالف لمحاربة لمحاصرة الغلاء ومكافحة الفقر لأنها عملية ممكنة،و لأنها مهمة إنسانية نبيلة.

mamdoh77@hotmail.com