قامت الدنيا ولم تقعد لظهور الشيخ عبدالمحسن العبيكان المستشار القضائي بوزارة العدل وعضو مجلس الشورى وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في شريط فيديو وهو يرقص بالسيف في حفل عرس. الشريط الذي بث على الإنترنت وانتشر بواسطة البلوتوث يظهر فيه الشيخ ـ الذي يقترب من إكمال عقده السادس ـ وهو يشارك في رقصة «العرضة» في حفل زواج ابن أخيه بأحد أحياء الرياض.
الذين غضبوا من رقصة الشيخ العبيكان هم المنتمون للجماعات المتشددة الذين رد عليهم الشيخ قائلاً: (نعم، شاركت في الرقصة ولا أعير بالاً لمن يريد أن يقلب أفراحنا إلى مآتم وإلى أحزان) وشن هجوما على الذين يريدون إدخال الوعظ والإرشاد في حفلات الزواج واصفا ذلك بأنه بدعة، وقال إنه لم يُنقَل عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد الأئمة أنهم حولوا مناسبات الزواج إلى وعظ. ودعا إلى التخلص من هذه القيود التي وضعها «الجُهّال».
وساق أدلة من السنة النبوية الشريفة على مشروعية اللعب بالحراب والسيوف، كما رفض القول بتحريم استخدام الطبول، وأكد أن استخدام الطبول والدفوف مطلوب شرعاً في المناسبات كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» وجاء بأمثلة على إقرار النبي لذلك.
ربما يبدو الموقفان؛ موقف الشيخ العبيكان وموقف الجماعات المتشددة منسجمين مع طبيعة فكر كل طرف منهما. فالمعروف عن الشيخ العبيكان أنه من شيوخ الاعتدال، وله آراء يعتبرها البعض جريئة في وقت يضرب فيه التطرف أطنابه على العالم الإسلامي، ويكاد يكون الوجه الأكثر بروزا الذي يراه الآخرون من المسلمين ويتخذون بناء عليه مواقفهم منهم.
فقد سبق للشيخ العبيكان أن قال بأن تغيير يوم الإجازة الأسبوعية من الخميس إلى السبت لا يتعارض مع النصوص الشرعية على خلاف ما يرى المتشددون. كما اشتهر عنه قوله بتحريم العمليات الانتحارية، ومعارضته للتيار السلفي الجهادي، وقبوله مناظرة أصحاب هذا التيار ومنظّريه، وإدانته للعمليات التي يقوم بها بعض المسلمين المقيمين في الغرب، مثل تفجيرات قطارات وحافلات لندن التي نفذها بريطانيون ينتمون للطائفة المسلمة هناك عام 2005.
غضبة الجماعات المتشددة من رقصة الشيخ العبيكان ربما تبدو مقبولة أو معقولة أمام الفتوى التي أصدرها الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك بحق الكاتبين السعوديين عبدالله بن بجاد العتيبي ويوسف أبا الخيل، ودعوته إلى استتابتهما واعتبارهما مرتدين إذا لم يرجعا عن قولهما، ووجوب قتلهما، فلا يُغَسَّلان، ولا يُصلَّى عليهما، ولا يرثهما المسلمون!
هذه الفتوى (تنسجم انسجاما شبه كامل مع توجهات القاعدة وتحريض قادتها على القتل واستهداف المخالفين من كتاب ومثقفين ومسؤولين سياسيين) كما اعتبرها الكاتب عبدالله بن بجاد العتيبي واصفا إياها بأنها تنتمي إلى القرون الوسطى. أما سبب الفتوى فهما مقالان نشرتهما جريدة «الرياض» السعودية، كان عنوان الأول منهما (إسلام النص وإسلام الصراع) بينما كان عنوان الثاني (الآخر في ميزان الإسلام).
جريمة عبدالله بن بجاد التي استحق عليها إهدار دمه هي قوله إن المتصارعين في التراث أدخلوا على النص زيادات ليبرروا بها رغباتهم وأهدافهم، مستشهدا بحديث (أن تشهد أن لا إله إلا الله) حيث لم يجد المتصارعون هذه العبارة كافية للحكم بالإيمان والإسلام، فرأوا أنه يجب أن تتم تجزئتها إلى جزأين كحد أدنى، ليصلوا بهذا التقسيم إلى تكفير المخالفين وقتالهم والبراءة منهم، ويضعوا مجموعة من التفسيرات المشحونة والملغومة التي اختلفت باختلاف المدارس والفرق والمذاهب والطوائف وفق ما جاء في المقال.
أما جريمة أبا الخيل فهي قوله إن الإسلام ـ على خلاف ما يريده المتشددون والمتنطعون ـ لا يُكَفِّر مخالفيه لمجرد عدم إتباعهم رسالته، بل يُكَفِّر منهم فقط من يحول بين الناس وبين ممارستهم لحرية العقيدة التي كفلها لهم. ويسوق على هذا أدلة من القرآن والسنة النبوية الشريفة ليصل إلى أن الأمر لم يلتبس إلا عندما اخترع الفقهاء مصطلح (دار الحرب) في مقابل مصطلح (دار الإسلام) زمن الفتوحات، فأصبحت (دار الحرب) تعني حينها كافة المجتمعات والدول التي لا تنضوي تحت لواء الدولة الإسلامية التي تمثل بدورها (دار الإسلام) مما سمح بتعددية مصطلح «الكفر» لا حقا ليكون وصفا لكل من لا يدين بالإسلام.
ربما يبدو إهدار دم الكاتبين طبيعيا لدى ذوي العقول المظلمة المبرمجة على السير في اتجاه واحد لا يقبل الاختلاف، ولا يرى وسيلة لإنهائه سوى نحر المخالفين وتقديم رؤوسهم لقادة ومنظّري هذا الفكر المتشدد الذين اختطفوا الإسلام وجردوه من اعتداله وسماحته، وألغوا منهاج الخالق في الدعوة الذي حدده عندما قال تعالى: (أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) هذه الآية التي يفسرها الدكتور يوسف القرضاوي بأن الجدال أو الحوار بالتي هي أحسن هو إحدى وسائل الدعوة التي أمر بها القرآن.
فالموافقون لك في الدين تدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أي بما يقنع العقول، وما يحرك القلوب والعواطف، والمخالفون يُجادَلون بالتي هي أحسن، بمعنى أنه لو كانت هناك طريقتان للحوار: طريقة حسنة، وطريقة أحسن منها وأجود، فالمسلم مأمور أن يستخدم الطريقة التي هي أحسن وأمثل، وقد اكتفى القرآن مع الموافقين بأن تكون الموعظة حسنة، ولم يرض مع المخالفين إلا أن يكون الجدال بالتي هي أحسن.
لكنّ هذا الموقف لا يمكن أن يكون طبيعيا لدى ذوي العقول النيّرة، في زمن يتجه فيه الفكر الإنساني إلى مزيد من الانفتاح والحوار وتقبل الآخر مهما اختلفت الآراء وتعددت الأفكار وتشعبت المذاهب. وإلا فأي فرق بين هذه الجماعات ومحاكم التفتيش التي كانت تتهم الخارجين على الكنيسة بالهرطقة والزندقة وسب الدين، وكان الناس يساقون إليها سوقا عن طريق الشبهة فقط أو وشاية الجيران، فيُحاكَمون ويُعذَّبون ويُرمَون في المحارق، لا لسبب سوى أن أفكارهم لا تتفق مع الكنيسة؟
ثمة أساليب للحوار نحن أحوج ما نكون إليها، في زمن نحن محتاجون فيه للتحاور فيما بيننا أكثر من التحاور مع غيرنا، وإلى التصالح مع أنفسنا أكثر من التصالح مع الآخرين، كي نغسل عقولنا من الجهل والتعصب قبل أن نرمي مخالفينا بالكفر ونهدر دماءهم، ثم لا نغسِّلهم ولا نصلي عليهم ولا نرثهم.
فرق كبير بين رقصة الشيخ العبيكان والرقصة التي يدفعنا المتشددون إلى ممارستها؛ فرقصة الشيخ بالسيف جزء من التراث قد نتفق عليه وقد نختلف، أما الرقصة التي يدعونا المتشددون إلى ممارستها فهي رقصة موطنها الكهوف، من يمارسها يرقص على حد السيف، ومن يرقص على حد السيف يعرض نفسه للنزف حتى الموت.
إنه ذلك الفرق بين من يريد أن يجعل الدين يسرا ومن يريد أن يجعله عسرا، بين من يريد أن يعرف الحقيقة ويشرك الآخرين معه فيها ومن يعتقد أنه يملك الحقيقة وحده ويريد أن يجبر الآخرين عليها، وما أظننا إلا سئمنا من الخنوع للإجبار، واشتقنا إلى فتح الأبواب لكل الآراء والاجتهادات والأفكار.
كاتب إماراتي