يبدو لبنان وكأنه في سباق، أسرع من أي وقت مضى، مع عقارب الساعة. القمة العربية، تقف على مسافة أيام قليلة. موضوع حضوره وتمثيله فيها، لم يحسم بعد. تدور حوله تجاذبات ومداولات حادة. يرافق ذلك ارتفاع في درجة التوتر الداخلي، السياسي والأمني. فالأزمة على حالها وآفاقها لا تزال مسدودة. جلسة البرلمان المقررة غداً، لانتخاب رئيس جمهورية جديد، صارت في حكم المؤجلة؛ للمرة السابعة عشرة ومفتوحة على المزيد.
الأجواء الأمنية عادت، هي الأخرى، إلى الاهتزاز من بوابة المخيمات؛ التي شهد أكبرها ـ عين الحلوة ـ صدامات مسلحة عنيفة، أمس الأول، بين فصائل متنازعة. وهي، في جانب منها، تؤشر إلى ارتفاع منسوب الاحتقان؛ فوق الساحة اللبنانية؛ باعتبارها تؤثر وتتأثر فيها.
كل ذلك وسط مناخات، محلية وإقليمية، مشحونة ومشدودة؛ إلى أعلى الحدود. الأمر الذي يفاقم من هشاشة الوضع؛ الواقف أمام استحقاقي الرئاسة والقمة؛ من دون بوصلة. أو في أحسن الأحوال، ببوصلة مرتبكة، مفتوحة على شتى الاحتمالات.
فيما مضى من عمر الأزمة اللبنانية، بقيت لعبة العض على الأصابع؛ في حدود السيطرة عليها. وصلت أحياناً إلى حافة الانهيار. لكن بقي التحكّم بها في متناول اليد. كانت المراهنة على عامل الوقت، قاسماً مشتركاً بين كافة الأطراف المعنية. أيضاً لعبت الوساطات المختلفة دورها في لجم وتنفيس الاحتقانات المختلفة. وفي الآونة الأخيرة لعب التعويل على القمة واقتراب موعدها، دوره، كذلك، في رفع درجة التفاؤل. أو على الأقل في ترك باب الاحتمالات الواعدة، مفتوحاً.
كان الاعتقاد أن اختراق ما قد يحصل عشية هذا الحدث؛ من باب حرص كافة الأطراف المعنية على ضرورة توفير الأجواء المناسبة واللازمة، لضمان نجاح القمة؛ سواء على صعيد مستوى وحجم المشاركة فيها؛ أم على صعيد القرارات المرتجى صدورها عنها. في أقله، كانت الآمال معقودة على لملمة الأوضاع وتنقية الأجواء الكفيلة بعقد قمة، تكون الطريق ممهدة أمامها للتعامل بلغة الحلول؛ مع الأزمة اللبنانية وأيضاً مع أزمة الوضع الفلسطيني.
الآن، الوساطات غائبة. وربما نضب مخزونها.الخطوط بين الفرقاء اللبنانيين، شبه معطّلة؛ إذا لم تكن مقطوعة تماماً. وحدها لغة التراشق وزيادة التأزم؛ سائدة. كذلك، الأزمة ازدادت تعقيداً وانسداداً.
مشكلات، تناسل عنها المزيد من نفس البضاعة. كانت حكومية. ثم صارت رئاسية، ثم تحوّلت من جديد إلى حكومية، بمعادلات تراوحت بين الثلث والمثالثة؛ لتنتهي أخيراً عند الانتخابات والمجلس النيابي ومسألة تفعيله.
وها هي القمة على الأبواب، فيما الملف اللبناني تحوّل إلى ملفات؛ متشابكة. والأخطر هنا، هو مرور استحقاق القمة من دون التصدّي للعقدة اللبنانية. حصول ذلك من شأنه أن يحمل على الاعتقاد بأن الأزمة باتت في حكم الميئوس منها. الأمر الذي يضع لبنان على كف عفريت.
الأيام القليلة الفاصلة عن القمة، مصيرية. هي في الواقع فاصلة بين الإنقاذ وبين الانزلاق إلى المجهول؛ فيما يتعلق بالوضع اللبناني. وهذه المرة الكرة في ملعب القمة وأهلها. بعد هذا الموعد لا يبدو أن الأمور باقية على حالها. وليس على الطاولة سوى خيار واحد.
