الاتجاه نحو زراعة القمح والحبوب الأخرى بات مسألة مُلحَّة تفرضها تحديات شتى داخلية وخارجية يبرز أهمها في اتساع الفجوة من عام إلى آخر بين ما ننتجه من محاصيل الحبوب وفي صدارتها القمح، وما نستهلكه عن طريق الاستيراد من الخارج.

ومثل هذه الفجوة التي تتنامى بشكل سلبي قد حذر من مخاطرها المستقبلية يوم أمس فخامة الرئيس علي عبدالله صالح، موجهاً الحكومة بسرعة إعداد الخطط الكفيلة بالتوسع في زراعة القمح وتشجيع المواطنين على العودة إلى زراعة الأرض وإيقاف كافة العوامل المتسببة في تقليص المساحات الصالحة للزراعة، والتي تتجلى شواهدها في الزحف العمراني على الوديان وحالات التصحر التي أخذت بالتمدد نتيجة إهمال الناس للأرض وتركها عرضة لعبث الرمال وجريان السيول.

ولأن الأخ الرئيس عودنا دائماً على تبني المبادرات وصنع التحولات الكبرى التي تعود بالخير والنماء على أبناء شعبه فإنه الذي حرص يوم أمس على أن تأتي توجيهاته للحكومة مشفوعة بالمهام التي ينبغي الإسراع في إنجازها بهمة وجدية وبعيداً عن أي اتكالية أو تأجيل.

وفي هذا ما ينبئ تماماً على أن قيادتنا السياسية قد وضعت الأمن الغذائي في مقدمة أولوياتها واهتمامها لارتباط هذه القضية بتأمين الغذاء للمواطنين والاستقرار المعيشي والاقتصادي والاجتماعي.

الشيء الذي نستطيع القول معه أن الأخ الرئيس قد دشن يوم أمس مرحلة جديدة في مسيرة العطاء الوطني عنوانها الزراعة والأمن الغذائي، لإيمانه أن الطريق إلى المستقبل صار مرتبطاً بتأمين الغذاء والاعتماد على الذات وزيادة الإنتاج مما تجود به الأرض من عطاء وفير، وأنه ومهما كانت مشاق ومصاعب هذا التوجه فإنها تظل أهون بكثير من عواصف ومخاطر الارتهان للآخرين في تأمين احتياجاتنا من الطعام والغذاء، وهو ما أدركه أجدادنا العظام الذين شيَّدوا المدرجات الزراعية في الجبال وأنشأوا السدود والحواجز وقنوات الري التي تروي تلك المدرجات بالمياه ليقدموا بذلك المثال والأنموذج على أنه لا مستحيل أمام إرادة الشعوب وأن المعجزات تصبح حقائق معاشة إذا ما توافرت الإرادة وتشابكت الأيدي وتكاتفت الجهود والطاقات في خنادق العمل والإنتاج.

وأمام هذه الانطلاقة فإن من الأهمية أن يستشعر الجميع أننا أمام قضية حيوية تختلف عن القضايا الأخرى أياً كان حجمها، خاصة إذا ما علمنا أن التمادي في الاعتماد على استيراد القمح ومحاصيل الحبوب الأخرى من الخارج والعزوف عن زراعة الأرض ستترتب عليه عواقب وخيمة أقلها تزايد معدلات الفقر بين السكان وتنامي البطالة في صفوف من ينتمون إلى قطاع الزراعة، وهما عاملان كفيلان بإحداث اهتزازات كبيرة في الواقع الاجتماعي، فضلاً عمَّا قد يتولد عنهما من أضرار جسيمة على أمن واستقرار الوطن ومسيرته التنموية والاقتصادية.

ويزداد الأمر صعوبة بالتعقيدات الناجمة عن قيام الدول المنتجة للقمح بتقليص زراعتها لهذه المادة مقابل التوسع في محصول الذرة الذي يستعمل في إنتاج "الايثانول" مما تسبب في ارتفاع أسعار القمح على المستوى العالمي بصورة غير مسبوقة.

ومثل هذا المتغير الدولي وما ينذر به من تقلبات يدعونا إلى حث الخطى وتشمير السواعد والعودة إلى زراعة الأرض والتوسع في زراعة القمح والمحاصيل الأخرى من الحبوب والاستفادة من تجارب أجدادنا والابتعاد عن الإطار النظري الذي كرس لدينا الاعتقاد السائد بأن أرضنا غير قادرة على إشباع أهلها وأن المياه المخزونة في جوفها أو ما يتساقط من الأمطار لا تكفي لزراعتها، حيث أن هذه المبررات تصبح واهية ولا معنى لها ونحن نتحدث عن زراعة القمح الذي لا يعد محصولاً مائياً واحتياجاته من الماء أقل بكثير من المحاصيل الأخرى.

وبنفس القدر تضمحل وتتلاشى أي مبررات أخرى تشكك بمقدرة بلادنا في الوصول إلى معدل عال في إنتاج الحبوب بنجاح تجربتنا في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفواكه وتصدير كميات كبيرة منها إلى الخارج، بعد أن كنا قبل خوض هذه التجربة عام 1984م نعتمد اعتماداً كلياً على استيرادها من الخارج.

وطالما كان الهدف الأهم والأساسي هو مصلحتنا ومصلحة وطننا فعلينا أن نكون مع هذه المصلحة بعيداً عن تشكيك المرجفين ومبررات العاجزين والكسالى ووساوس ضعاف النفوس الذين لا همَّ لهم سوى الثرثرة في المقايل والمنابر الإعلامية وزواياهم المظلمة، وهناك فرق شاسع بين من يدبجون الكلام وبين من يجيدون العمل.