لا أحد يشعر بالفخر والاعتزاز بما حققته بلادنا من إنجازات أكثر مما أشعر به أنا. لقد كانت فرحة حياتي أن أرى دولتنا وهي تنمو وتتطور لتصبح قدوة تحتذى لغيرها على كل صعيد. ولم يأت هذا التطور من فراغ، فالإمارات مثلما أصبح معروفاً للجميع تطمح للأفضل على الدوام، والسياسة التي وضعتها حكومتنا نصب أعينها هي أن لا شيء مستحيل، وهذا ما جعلها بالشراكة مع شعب هذه البلاد قادرة على إنجاز معجزة أصيلة تحظى باحترام وإعجاب شعوب المنطقة والعالم أجمع.

لقد حبانا الله بالوفرة والبركة في كل شيء، وهذا ما يجعلني أشعر بالحزن الكبير كلما سمعت أن أحداً يكابد لتأمين قوت عياله نتيجة هذا الارتفاع الكبير في الأسعار. ولا أفهم كيف يمكن لإنسان في بلد الخير هذا أن يعاني القلة والجوع.

هناك أسباب عديدة كانت وراء هذه الورطة التي فوجئت البلاد بمواجهتها. ولعل أول هذه الأسباب هو أن عملتنا مربوطة بالدولار الأميركي الآخذ بالتراجع دون توقف، وهو ما يعني بدوره أن أسعار المواد الغذائية المستوردة ستأخذ لا محالة حصة أكبر من دخول العوائل (خصوصاً وأن الإمارات تستورد 85 في المئة من حاجاتها الغذائية).

أما مسألة الإبقاء على ربط درهم الإمارات بالدولار أو فك هذا الارتباط وتعويمه فهي مسألة نتركها لحسن تقدير المصرف المركزي. السبب الثاني هو أننا نواجه عجزاً غذائياً عالمياً نتيجة لازدياد الطلب من الدول النامية التي تشهد ازدهاراً اقتصادياً مثل الهند والصين، إضافة إلى الجفاف في بعض مناطق العالم بسبب احتباس المطر وتراجع مساحات الأراضي الزراعية. ويقول بعض الخبراء إن ظاهرة تسخن الأراضي لها أثرها السلبي أيضاً.

أضف لذلك أن محاصيل الحبوب في الولايات المتحدة وأوروبا أصبحت تستخدم لإنتاج الوقود الحيوي مثل الإيثانول لتقليل الاعتماد على النفط. ومن نافلة القول ان الطلب حينما يفوق العرض تكون النتيجة ارتفاع الأسعار. باختصار، ارتفاع الأسعار ظاهرة عالمية تجد ما يفاقمها في هذه المنطقة على وجه الخصوص نتيجة تدهور الدولار.

ومع ذلك فإن كوننا دولة وفرة تجعلنا في وضع أفضل من دول غيرنا مثل المكسيك والسنغال وبوركينا فاسو وأوزبكستان وإندونيسيا واليمن وباكستان والمغرب وغيرها، حيث دفع النقص في المعروض من المواد الغذائية الأساسية وارتفاع الأسعار الناس إلى الشوارع للتظاهر وأعمال الشغب.

في بعض الدول ارتفعت الأسعار 40 في المئة خلال الشهور القليلة الماضية و100 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وتقول جمعية حماية المستهلك في الإمارات إن الأسعار في الدولة قد ارتفعت 30 في المئة في 2007.

بل إن هذه الظاهرة العالمية دفعت الناس إلى الذعر وشراء وتخزين المؤن مما فاقم من سواد الصورة السوداء أصلاً. وما يؤسف له هو أن التجار الجشعين استغلوا هذه المشكلة لزيادة أرباحهم.

نحن ليس بمقدورنا تحديد تكلفة المستوردات وفق ما يناسبنا، كما أن فرض الحكومة لأسعار البيع، مثلما يقترح البعض وعلى نحو ما بدأت تطبقه بالفعل دول مثل الصين وروسيا مؤخراً، هو أمر يناقض سياسات السوق الحر التي دوماً ما كنا نتمسك بها بقوة. غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أننا يجب أن نقف موقفاً لا مبالياً إزاء الأزمة الراهنة ونكتفي بالأمل في أن تتحسن الأحوال.

لكن ما الذي نستطيع فعله للتخفيف من حدة الأزمة في الإمارات؟

على المدى القصير يجب على الحكومة أن تسارع بالشروع في دعم المواد الغذائية الأساسية مثل الطحين والرز وزيت الطبخ والسمن والجبن والحليب والشاي وأغذية الرضع والوقود والكهرباء والماء. وقد تقدمت جمعية حماية المستهلك بالفعل للحكومة بعريضة تناشدها فيها فعل ذلك.

وبالتوازي مع ذلك يتعين على الحكومة أن تمارس رقابة وضبطاً نشطين على أسعار السلع الأساسية عبر إقرار نظام فاعل لتحقيق هذا الغرض. وفي المقابل يتعين على القطاع الخاص الشروع في تحمل المسؤولية والقيام بما يتوجب عليه عبر دعم المؤسسات الخيرية المساهمة فعلاً في مساعدة المحتاجين من مواطنين ومقيمين.

وقد شرعت باكستان مؤخراً على سبيل المثال في إعادة تطبيق نظام بطاقات الحصص التي توفر الطحين بأسعار مدعومة للقطاعات الأكثر فقراً كما وسعت مصر نظام الحصص لأول مرة منذ 20 عاماً. ونحتاج نحن في الإمارات أن نفكر بجدية في مثل هذا الخيار.

الأغذية المدعومة في مصر تتوفر لكل الطبقات، غير أن القطاعات الأكثر فقراً فقط هي التي تستفيد منها. وتمثل المعونات الحكومية 5. 7 قي المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر البالغ 9. 431 مليار دولار أميركي، والتي يزيد تعداد سكانها عن 80 مليون نسمة، 20 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر.

أما في الإمارات فإن تعداد السكان أقل بكثير من سكان مصر وبالنظر إلى ناتجنا المحلي الإجمالي البالغ 2. 186 مليار دولار أميركي فإننا أكثر من قادرين على رعاية الطبقات الأقل نصيباً بيننا بغض النظر عن المدى الزمني الذي ستأخذه هذه الحالة الطارئة.

أما على المدى الطويل فيمكن للحكومة أن تنظر في توفير الدعم المالي للجمعيات التعاونية لتتمكن من توفير المنتجات الغذائية الأساسية قليلة التكلفة إضافة إلى دعم تنمية القطاع الزراعي عن طريق التخطيط لزيادة الرقعة الزراعية في الدولة.

وقد يكون من المفيد أيضاً أن تقدم الإمارات المساعدة للدول المجاورة من أجل تنمية قطاعاتها الزراعية مقابل الحصول على واردات مضمونة من السلع الأساسية مثل القمح والشعير والذرة.

هذه الأزمة يجب أن تكون بمثابة إنذار لنا، إذ يجب أن نحقق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء لأن الغذاء أمر لا يمكن لأحد أن يستغني عنه مثله مثل الماء الذي نشربه. ولتحقيق هذا الهدف يجب وضع استراتيجيات بعيدة الأمد تضمن المعيشة الكريمة لأجيال المستقبل في عالم تزداد أعداد السكان فيه باطراد.

لقد عرف العالم مدى كرم وعطف حكامنا الذين مدوا أيادي الخير والعطاء لكل محتاج في مشارق الأرض ومغاربها. ولا يخامرني أي شك بأنهم لن يترددوا الآن في العمل من أجل ضمان توفر المؤن بأسعار معقولة للناس في هذه الظروف الصعبة. وإن كان هناك من هو قادر على فعل شيء لمواجهة الأزمة فنحن أول القادرين على ذلك، وينبغي أن نفعل