خمس سنوات من قتل مئات الألوف وتشريد ملايين العراقيين، لم تكن كافية لجعل الرئيس الأميركي جورج بوش يبدى الندم على حملة سفك الدماء، مصرا على السعي إلى تحقيق نصر يبدو مستحيلا في عرف الكثير من المحللين والمراقبين، فيما اعتبر 64% من الأميركيين أن الحرب لم تكن تستحق كل هذا العناء الذي كلفهم مئات المليارات من الدولارات وخرب اقتصادهم القومي المهدد بالانكماش.
بوش يتوقع نصرا استراتيجيا، اعتقد أنه قريب المنال بمجرد دخول بغداد، فإذا بالطامة الكبرى التي أطاحت بالكثير من مساعديه، بعد أن ثبت كذب مبرراتهم للحرب، فلا أسلحة الدمار المزعومة التي كانت السبب الأول للغزو ثبت وجودها، ولا علاقة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين بتنظيم «القاعدة» أمكن تأكيدها، وما بقي مجرد أكاذيب ذرتها الرياح، وعرت مدعيها.
وهذا هو المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية هانس بليكس يكرر تأكيده ان الحرب في العراق «مأساة للعراق وللولايات المتحدة وللحقيقة والكرامة الإنسانية»، متهما واشنطن ولندن بالمبالغة في التهديد الذي كان يشكله نظام صدام.
بليكس الذي ترأس فرق التفتيش عن الأسلحة التابعة للأمم المتحدة في العراق يعتبر أن مسؤولية الفشل في العثور على أسلحة الدمار يقع على عاتق الذين كانوا يجهلون الوقائع منذ خمس سنوات.
اليوم يحصد بوش وما تبقى من أركان إدارته خيبة الفشل، ويجني الانقسام وسط المجتمع الأميركي، الذي رأى بأم عينه كيف تلطخت صورة بلاده جراء الحرب على العراق، وارتفاع نسبة العداء والشعور المناهض للولايات المتحدة في العالم، وخاصة في المنطقة العربية.
اعترف بوش بأنه دفع ثمنا «مرتفعا» للحرب، غير انه تمسك بكون الإطاحة بصدام كانت القرار الصائب، اما نائبه ديك تشيني فكان أكثر فجاجة عندما قال وهو المهندس الأول للحرب، «سنبقى في العراق ولو تعب الآخرون»، وهو ما يتناقض البتة مع المزاعم الأميركية عن الذهاب إلى أرض الرافدين كمحررين وليس محتلين، وليس البقاء لمئة عام كما يجاهر المرشح الجمهوري جون ماكين.
سلسلة الأخطاء المرتكبة في العراق منذ اليوم الأول للغزو، وحتى اليوم، لم تردع إدارة بوش عن المضي قدما في الطريق ذاته، في تجاهل تام لكل الأصوات الأميركية التي تنادي بالخروج من الوحل العراقي.
ويصر ساكن البيت الأبيض، على الاستمرار من أجل «إنهاء المهمة» الغامضة والتي تتحول كالحرباء من وقت لآخر، فتارة يكون الهدف البحث عن أسلحة الدمار وأخري، الإطاحة بصدام، وثالثة منح العراقيين ديمقراطية ثبت حتى اليوم أنها عرجاء، وقائمة على أسس المحاصصة الطائفية، وليس المعايير الوطنية الأشمل.
هذا التناقض في الأهداف والضبابية المتعمدة في «المهمة» التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي، تحاول الالتفاف على حقيقة طالما سعي الأميركيون إلى إنكارها، رغم وضوحها كالشمس، وهي السيطرة على نفط العراق، والتحكم بمصيرة، باعتباره واحدا من اكبر احتياطيات الذهب الأسود في العالم.
ليعلن بوش انه غير نادم، وليتمسك تشيني بالبقاء في العراق ولو تعب الآخرون، غير ان ذلك لن يغير من حقيقة ان ما فعلته الإدارة الأميركية الحالية هو كارثة بكل المقاييس، وان الرئيس الأميركي القادم سيرث تركة ثقيلة من المشاكل التي ستحتاج إلى سنوات طوال لعلاجها، فالمغامرات غير محسوبة العواقب دائما ما تقود إلى نتائج مدمرة على نحو ما يحدث منذ غزو العراق.
المكابرة لن تفيد، والحقائق لن يفلح الإنكار في محو وجودها من الواقع الذي يلمسه القريب والبعيد، وولادة الشرق الأوسط الجديد الذي يتوهم الأميركيون بان ساعة مخاضه أتت، يأبى حتى الآن أن يطلق صرخته الأولى على يد القابلة الأميركية.