المؤتمر الدولي، الذي يقترح الوزير لافروف عقده في موسكو، محاولة روسية لتعويم أنابوليس. هكذا جرى تقديمه كاستمرار لهذا الأخير ومكمل له؛ وليس كبديل عنه. مع ذلك سارعت إسرائيل إلى إبداء التحفظ عليه. وزعمت أنها لا ترفض الفكرة بحد ذاتها، بل هي غير متحمسة لها.

السبب، كالعادة، ذرائع واهية وملتوية؛ طالما لجأت إليها للتملص من مستلزمات السلام. ناهيك عن الوعود والالتزامات التي نحرتها، مرارا وتكرارا، على مذبح التصعيد العدواني والاستيطاني.

من هذه الذرائع أن العملية لا تحتاج إلى المزيد من المؤتمرات، التي عقد الكثير منها؛ بل هي بحاجة إلى «التقدم» في المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية.

عذر أقبح من ذنب. وكأن أحداً غيرها وقف حائلاً دون مثل هذا التقدم؛ الذي ما عدمت حيلة للتخريب عليه. ليس في الآونة الأخيرة فقط؛ بل أيضاً منذ أوسلو. الوزير لافروف بدا وكأنه يرد بصورة غير مباشرة على التحفظ الإسرائيلي، تجاه عرضه؛ وذلك عندما دعا إلى وجوب رفع الحصار عن غزة؛ ومطالبته بوقف الاستيطان فوراً.

الوزير الروسي، الذي جال في المنطقة لتسويق فكرة المؤتمر، أكّد أن موسكو عاكفة الآن على الإعداد لهذا الاجتماع الدولي ووضع أجندته. وهي تقوم في هذا الصدد، بإجراء المشاورات مع الأطراف الدولية والعربية المعنية، من أجل التحضير له؛ وبما يرمي إلى «تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه في أنابوليس»، على حدّ تعبيره.

هنا يكمن المطلوب. وبالقدر نفسه هنا أيضاً تكمن العقدة المستحكمة؛ التي استعصت على جميع المؤتمرات والاتفاقيات التي توالت؛ والتي يقول أولمرت إنها باتت «كثيرة». وهو في ذلك يصيب، لأول مرة في عمر هذا الصراع، كبد الحقيقة.

لكنها كلمة حق أريد بها باطل؛ جرياً على المعتاد. الذي لا يقوله، بطبيعة الحال، هو السبب الذي كان وراء كثرة المؤتمرات وقحط غلالها. فعلاً تعددت أكثر من اللازم. نسفها بصورة متتالية ومبرمجة، على يد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؛ أدّى إلى غزارتها العددية وتلاشي أي أثر فيها للتقدم؛ الذي يتباكى أولمرت عليه؛ بخبث وزيف تفضحهما مراوغاته المعروفة.

موسكو تدرك ذلك جيداً. كانت حاضرة في المشهد، منذ مدريد مروراً بالرباعية؛ وانتهاء بأنابوليس. دعوتها إلى مؤتمر جديد، تعكس اعترافاً بأن هذا الأخير سقط في التعثر المديد؛ إن لم يكن في عنق الزجاجة. كما أنه ينطوي على تسليم بأن الرباعية قد استهلكت، هي الأخرى وصارت في خبر كان.

الأهم أن تحركها الجديد، علاوة على كونه تعبيراً عن قرارها بالعودة كلاعب منفرد ووازن في المنطقة، يأتي كتعبير عن الإدراك بأن هناك حاجة لصيغة جديدة لتكثيف الضغوط على إسرائيل وزيادة حشرها في الزاوية؛ لحملها على التزحزح، ووقف تخريباتها على عملية السلام؛ ثم الالتحاق بقطارها. لا شكّ أنها تدرك الشروط اللازمة لبلوغ هذه النقطة.

الحديث عن تحريك عجلة السلام؛ وعن مؤتمرات دولية؛ يبقى تمريناً أجوف، في حال بقيت إسرائيل تمارس لعبة المماطلة والتدويخ؛ تحت مظلة أميركية واقية. وفي هذا الخصوص، مطلوب من الجانب الفلسطيني، مؤازرة التحرك الروسي من خلال الإسراع في رأب تصدعه الداخلي. وفرصة صنعاء قد تكون فعلاً، الفرصة الأخيرة.

الخروج منها، بالحد الأدنى على الأقل، من العودة إلى مدار الوحدة الوطنية، بإمكانه أن يرفد المسعى الروسي الذي يرمي، فيما يرمي إليه، إلى كسر الاحتكار الأميركي الإسرائيلي لعملية السلام.