روسيا الاتحادية بلسان وزير خارجيتها السيد سيرغي لافروف مرتاحة لأن القمة العربية التي ستحتضنها دمشق بعد أسبوع ستتخذ قرارات من أجل استعادة التضامن العربي، فحري بنا كعرب أن نكون أصحاب الفرح الحقيقي، والسعادة المطلقة لأننا على أبواب قمة تستعيد التضامن العربي وتبعث الروح في شرايين العمل العربي المشترك.

لا يمكن أن تكون روسيا الصديقة أكثر حرصاً على العرب وتضامنهم وقضاياهم من العرب أنفسهم، فالجرح لا يوجع إلاّ صاحبه. ‏

لكننا نسجل لروسيا هذا الموقف الداعم لنا والمؤيد لحقوقنا وقضايانا العادلة، فهذه الدولة العظمى تثبت يوماً بعد يوم أنها فعلاً الوريث الشرعي والحقيقي للاتحاد السوفييتي الذي كان المدافع العنيد عن قضايا الشعوب، وخاصة المناضلة منها من أجل الحرية والكرامة في وجه قوى الشر والاستكبار، صاحبة المشاريع الاستعمارية. ‏

أن يتعاطف الآخرون مع قضايانا، ويؤيدون مواقفنا، ويدافعون عن حقنا المشروع، أمر يستحق التقدير والاحترام، وهو في الوقت نفسه شهادة دولية لعدالة هذه القضايا وحكمة هذه المواقف ووضوح ذلك الحق. ‏

لكننا يجب ألاّ نتوقع أن يتبرع هؤلاء الآخرون بالنضال نيابة عنا لتحقيق هذه الأهداف، فمن المنطقي والطبيعي أن نكون في الخندق الأمامي دفاعاً عن الحدود والوجود والهوية، كي يقف الآخرون معنا يساندون حقوقنا. ‏

وعليناً أولاً، أن نكون قادرين على إيصال رسالتنا الحضارية، وأصالة قيمنا، وعدالة قضيتنا وحقنا للعالم أجمع، قبل أن نطلب من هذا العالم مؤازرتنا وتأييدنا. ‏

لا نريد، ونحن على أبواب قمة رفعت شعار التضامن، إثارة ما كان من واقع عربي لا يسرّ إلاّ أعداء العرب، ما يهمنا هو أن تكون قمة دمشق فعلاً قمة في التضامن والتعاون العربي المشترك في المجالات كافة لبلوغ المرحلة التي نستطيع فيها القول: إن العرب عازمون على أخذ موقعهم الطبيعي تحت الشمس واستعادة حقوقهم كاملة، وترميم بيتهم الداخلي الذي نخر فيه سوس الاستعمار الحديث «جداً»، ومؤامرات تجار الحروب والدمار والدماء والنفط، والوقوف صفاً واحداً لمواجهة المشاريع السرطانية، أكان المشروع الصهيوني بكل ما يحمله من مخاطر على وجود العرب وهويتهم، أم مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي هو في حقيقته ترجمة غربية ـ استعمارية أمينة للمشروع الصهيوني نفسه. ‏

التضامن العربي هو سلاحنا الفعّال القادر على إسماع صوتنا للعالم أجمع، وبشكل خاص للإدارة الأميركية التي ترى في حالة التشرذم والخلافات العربية ـ العربية، أرضية خصبة لتنفيذ مشاريعها ومؤامراتها، ولإعمال سكينها المسموم في جسد الوطن العربي تقسيماً وتقطيعاً. ‏

الإدارة الأميركية هذه التي احتلت العراق منذ خمس سنوات وأنتجت فيه إرهاباً ونعرات طائفية وعرقية وانتهاكاً لحقوق الإنسان وملايين القتلى والجرحى والمشردين، هذه الإدارة التي شجعت إسرائيل على الإيغال في إرهابها وفي عمليات الإبادة التي تقوم بها، بل شاركتها في عدوانها على لبنان الذي تعمل على نشر الفوضى فيه؛ الإدارة الأميركية هذه يسوءها طبعاً أي تقارب عربي ـ عربي ويقلقها أي اجتماع عربي، ويدمر مشاريعها التضامن العربي، فهي ـ والحال هذه ـ تقف اليوم ضد قمة دمشق علناً ودون أدنى خجل، وتحث العرب، أو بعضهم على الأقل، على عدم المشاركة في قمة دمشق في محاولة ترى أنها يائسة لمنع ولادة تضامن عربي من رحم معاناة الشعب العربي التي طالت. ‏

الإدارة الآيلة للسقوط أمام العالم، والراحلة بعد أشهر معدودات، لا تريد أن تضيف قمة دمشق بأجندتها العربية الخالصة، هزيمة جديدة لها ولمشروعها وهي تبذل أكثر من طاقتها لتفشيل القمة العربية.. وتفشيل التوجه العربي الجديد نحو التضامن. ‏

نعم.. إدارة بوش منيت بهزائم كبرى: فهي لم تقض على الإرهاب بل فاقمته، ولم تجلب الديمقراطية والحرية للعراق بل الكارثة والدمار، ولم تنجح في القضاء على المقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة، بل أججتها وجعلتها أكثر قوة وعزيمة، وها هي هذه الإدارة على أعتاب فشل مريع سيتمثل بنهوض عربي من بوابة دمشق وقمتها التي ستكون المخاض لولادة المشروع العربي الكبير.. والجديد. ‏

العرب على موعد بعد أسبوع مع ولادة جديدة نرجو أن يكون الجميع شهوداً عليها كي لا يفوتهم قطار التاريخ في هذه المرحلة التي تحتاج فيه الأمة، أكثر ما تحتاج إلى وقفة عز ومجد وكرامة وإباء. ‏

عصام داري