خمس سنوات مرت على غزو العراق وتبين للكثيرين أن الفرح بالتخلص من نظام صدام حسين لا يعني بطبيعة الحال الفرحة بالاحتلال والترحيب به. وإذ يقول المؤرخ شارلز تريب المتخصص بتاريخ العراق إن الولايات المتحدة تخلصت من صدام حسين واستبدلته بخمسين صدام آخر ليصف الحالة القائمة في عراق مقطع الأوصال.
إلا أن الموضوع ليس المقارنة بين البارحة واليوم والاختيار بين ماض ولى وحاضر مخيف فليس قدر الشعب العراقي أن يعيش دائما تحت حكم سلطوي وقمعي وصارم أو في ظل فوضى شاملة. ملاحظات يمكن التوقف عندها كدروس واستخلاصات ومؤشرات مفيدة من أجل إلقاء ضوء على خريطة طريق لخروج العراق من هذا النفق المظلم:
ـ تراجع سقف الأهداف بشكل كبير منذ الغزو، فمن عراق النموذج الديمقراطي في المنطقة ومفتاح جاذب للتغيير إلى محاولة توفير الاستقرار الممكن باعتبار أن البديل عن ذلك مكلف للعراق ولجواره، الاستقرار أيا كانت طبيعة السلطة وعلاقتها بالمجتمع وتوجهاتها الفعلية.
ـ استكمال سقوط المبررات الرسمية للغزو من وجود أسلحة دمار شامل إلى وجود القاعدة أو تعاون مع القاعدة من قبل النظام السابق فالحرب بالفعل لم تكن حربا استباقية أو وقائية بقدر ما كانت حربا تغييرية عنوانها قيمي ديمقراطي ومضمونها استراتيجي «واقعي».
من المفارقات الأساسية وهي كثيرة أن الأعداء التي أرادت واشنطن أن تحاربهم عبر العراق كانا المستفيدين الأولين من هذه الحرب وهما إيران والقاعدة فبالنسبة للأولى تحول العراق من قوة موازنة وحاجز أمام النفوذ الإيراني إلى ملعب جاذب لذلك النفوذ وجسر لامتداده نحو العمق العربي وبالنسبة للقاعدة فغياب الدولة ونمو حالة الاهتراء وصفة ضرورية بامتياز لقيام قاعدة جاذبة للقاعدة.
ـ غزو العراق بهدف تغيير السلطة أدى إلى إسقاط الدولة وخلق الفراغ عبر حل الجيش العراقي. وقد كشفت وثيقة صادرة في الأيام الأخيرة أن الخطة الأصلية للغزو كانت تقوم على نزع سلاح الحرس الجمهوري أو القوة الضاربة للنظام السابق وإبقاء الجيش باعتباره العمود الفقري الأمني للوطن وآلية الاندماج الوطني الأساسية.
ثم جاء بول بريمر ليقرر حل الجيش دون علم وزير الخارجية حينذاك ولا مستشارة الأمن القومي فكان هذا القرار البداية الفعلية لتفكيك الدولة بسبب تداعياته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وكانت قواعد اللعبة السياسية التي فرضتها واشنطن سواء من حيث القوى المقبولة في «العراق الجديد» والنظام الانتخابي الذي تم تكريسه والاصطفافات التي تشكلت والقائمة على الهويات الأصلية من مذهبية واثنية.
والإضعاف الفعلي والتهميش والإخراج العملي لكل القوى السياسية والمدنية خارج هذا النوع من الاصطفافات قد وضع الأسس لعراق مفكك الهوية وكرس صعود الجغرافيا المذهبية في المنطقة بعد أن استقرت في العراق، وذلك عبر البوابة العراقية. فصارت هذه الجغرافيا المذهبية خط صراع وتوتر يقطع عبر دول المنطقة.
ـ تحول العراق إلى ساحة المواجهة الرئيسية بين واشنطن وطهران وعبر هذه الساحة في المنطقة واتخذ «الحوار الاستراتيجي» الإيراني الأميركي أوجه عدة في العراق من مواجهة غير مباشرة وتفاهمات صامتة ومساكنة أمر واقع.
ـ رغم أن غزو العراق جاء في خضم الأحادية الأميركية الناشطة بعد تحرير أفغانستان إلا أنها بعد خمس سنوات تبدو هذه الأحادية في أفول عبر العراق وفي الشرق الأوسط نظرا لتراكم وتعمق الصورة السلبية للولايات المتحدة في المنطقة ونظرا لغرقها في المستنقع العراقي أيا كانت «الإنجازات» الأمنية والعسكرية ومعها بعض السياسية التي تقول واشنطن إنها قد بدأت بتحقيقها في العراق.
لقد جرى التخلص من نظام شديد السلطوية قل نظيره لمصلحة نظم أمر واقع سلطوية وكلية منتشرة في العراق خارج المنطقة الخضراء. يدل على ذلك على سبيل المثال وضع المرأة العراقية ووضع التعليم والحرية الاجتماعية والحرية الثقافية نسبيا مقارنة مع الماضي.
جملة من الأسئلة يجب الرد عليها إذا أردنا الولوج الفعلي في إخراج العراق من هذا المأزق: أولا كيفية تشجيع خلق فضاء سياسي غير طائفي ولو بشكل تدريجي إلى جانب الفضاء السياسي المذهبي الذي استقر في العراق.
فسياسة تقوم على لعبة التوازن المذهبي والتلزيم الأمني والسياسي لقوى مذهبية ضد قوى أخرى متطرفة أو متشددة أو معادية تبقي العراق ضمن منطق التمذهب الحاد وبالتالي تبقيه ممزقا على المستوى المجتمعي وتكرس الجدران القائمة بين أبنائه.
السؤال إذا يتعلق في كيفية إعادة تركيب الموزاييك العراقي وهنالك العديد من الألغام السياسية الوطنية القائمة تحت مسميات قانون المساءلة والعدالة الذي جاء ليخفف من قانون اجتثاث البعث، وقانون النفط، ومستقبل كركوك.
وقانون الأقاليم كلها عناوين تحديات أمام إعادة ترتيب البيت العراقي باعتبار أن هنالك سؤالا إستراتيجيا أيضاً يتعدى العراق ويتعلق بكيفية صنع الاستقرار القائم على التوازن وليس على الهيمنة وفراغ القوة في الخليج وفي الشرق الأوسط.
الأمر الذي يستدعي وجود عراق معافى مستقر وليس ساحة مكشوفة وجاذبة لكل أنواع التدخلات ومصدر للتوترات في المنطقة.أمور ثلاثة قد تبدو للوهلة الأولى مثالية أو صعبة التحقيق ولكنها ضرورية لخروج العراق من هذا النفق المظلم يفترض تحقيقها عبر خريطة طريق متكاملة ومتزامنة تبدأ بالإعلان عن النية بإنهاء الاحتلال أيا كانت مسمياته .
وربط الانسحاب التدريجي للقوة الأميركية بشكل واضح بحصول تقدم في خريطة طريق تحمل أبعادا ثلاثة: أولها عقد مؤتمر وطني شامل ومفتوح يضم كافة القوى الفاعلة في العراق لصياغة عقد وطني واجتماعي جديد لإعادة بناء المجتمع والدولة.
وثانيا، عقد مؤتمرات محلية في العراق لتنظيم إدارة المناطق ولوقف الاهتراء الحاصل ولتوفير الحد الأدنى الممكن من الأمن وتطبيع حياة الناس وثالثا، عقد مؤتمر إقليمي دولي حول العراق يضم دول الجوار بالطبع والأطراف المؤثرة والمعنية والفاعلة لمواكبة العملية السياسية الوطنية ولنزع وظيفة العراق كساحة صراع بين هذه الأطراف وتصفية حسابات .
باعتبار أن ذلك يضر بمصالح الجميع ولو في أوقات وبأشكال مختلفة وليكون المؤتمر بمثابة شبكة أمان وضمان لإعادة بناء العراق. قد تبدو هذه الأفكار وكأنها مثالية لكن استمرار الأمور على ما هي عليه مع تحقيق إنجازات طفيفة تبقى ذات نتائج هشة على الصعيد الوطني ترفع التكلفة مع الوقت لا بل قد تمنع من إعادة بناء عراق موحد أيا كانت الصيغة الدستورية التي يريدها أبناؤه لهذه الدولة الواحدة الموحدة.
أخيرا هنالك درس أساسي بعد خمس سنوات من غزو العراق قوامه أن القوة لا يمكن أن تترجم إلى نفوذ أيا كان مدى تفوقها فهي قادرة على إلغاء وضع قائم لكنها غير قادرة على خلق وضع أو نظام جديد فالنفوذ يستدعي أكثر من «القوة الصلبة» أو القوة العسكرية يستدعي شرعية الدور وجاذبيته وقدرته على توفير ما يطمئن الناس المعنيين.
كاتب لبناني
