إذا كان هذا هو حال النخبة العربية فعلينا أن ندرك أن الطريق أمامنا أصعب مما نتصور، وأن المستقبل الذي نرجوه مازال مشروعاً مؤجلاً، وأن ماكينة اغتيال الأحلام العربية مازالت تعمل بنشاط كبير وبنجاح يفوق التصور!!.
كان هذا هو إحساسي وأنا أشارك في المؤتمر الخامس للإصلاح العربي الذي تنظمه مكتبة الإسكندرية سنوياً منذ 2004 حين أصدرت «وثيقة الإسكندرية» للإصلاح الشامل، وأرى مشاعر الإحباط لا تستثني أحداً من مئات المثقفين العرب الذين جاؤوا للمشاركة في المؤتمر .
وهم يفتقدون الحماس الذي صاحب إصدار الوثيقة قبل أربع سنوات في ظروف حراك سياسي داخلي يطلب الإصلاح، وأزمات تواجهها النظم الحاكمة أمام هذه الضغوط الداخلية التي تصاحبها موجة تغيير ديمقراطي تجتاح العالم، وسياسة أميركية اكتشفت فجأة (!!)مع غزو العراق أن الولايات المتحدة ظلت طوال ستين عاماً تتبع نهجاً خاطئاً بانحيازها إلى الاستقرار ضد الإصلاح والتغيير.
وانه قد آن أوان التراجع عن هذا النهج الذي انتج مجتمعات تعاني من الاستبداد وبيئة تساعد على التشدد والإرهاب ومعاداة أميركا، وان شيئاً من الديمقراطية يمكن أن يصلح الأوضاع، وأنها ستصنع النموذج الديمقراطي في العراق، وعلى الآخرين أن يتبعوا نفس النهج وصولا إلى الديمقراطية التي ستأتي ـ وفقاً لهذا التصور ـ بنخبة مؤيدة لأميركا وبمجتمعات تدين لها بالعرفان!!
الآن، وبعد أربع سنوات يبدو المشهد كله متغيراً. حركات الإصلاح تتراجع، والنظم التي استجابت في البداية لمنطق الإصلاح ولو في حدوده الدنيا لم تعد تجد ما يدفعها للمضي في هذا الطريق، والتدخل الأميركي كان - كالعادة - وبالاً على حركة التقدم في العالم العربي.
فمن البداية كانت النخبة المستنيرة والجماهير في وقت واحد يعرفون أن المصلحة العربية هي آخر ما تفكر فيه السياسة الأميركية. وكان واضحاً أن «لعبة» الديمقراطية كانت الغطاء المطلوب لتبرير غزو العراق وتدميره بعد افتضاح أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، كما أنها كانت وسيلة للضغط على النظم العربية وابتزاز مواقف مؤيدة للسياسة الأميركية.
وبينما كانت القلة التي ربطت مصيرها بالوعود الأميركية تدفع ثمن هذا الارتباط، كان الاتجاه العام الذي جسدته وثيقة الإسكندرية هو تبني الإصلاح الشامل الذي يتفق مع المصلحة العربية ويصنعه العرب بأنفسهم ودون ضغوط خارجية. الآن.. وبعد أربع سنوات على صدور وثيقة الإصلاح العربي تبدو الأوضاع شديدة الاختلاف.
ويبدو الإحباط سيد الموقف عند النخبة التي ظلت طوال تلك السنوات تكرر نفس الحديث وتعيد نفس المطالب، ثم تجد في النهاية أن ما تحقق لا يمكن أن يفتح الأبواب التي ظلت مغلقة لسنوات طويلة.
وأن الإرادة السياسية اللازمة لتفعيل الإصلاح المطلوب مازالت غائبة، وأن الإصلاحات الجزئية التي تمت تعني أن علينا أن ننتظر قروناً لنحقق إصلاحاً كان المفترض أن يتم منذ سنوات. بينما النظم تتصور أنها قدمت أكثر مما هو مطلوب منها.
والأميركان انهوا مبكرا «لعبة» الديمقراطية واكتشفوا مرة أخرى أن السياسة التي اتبعوها طوال ستين عاما لدعم «الاستقرار» على حساب «الإصلاح» هي الأصح !!وأن أي نظام ديمقراطي عربي لن يخلق أصدقاء لدولة مسؤولة عن قتل مليون عراقي حتى الآن وعن دعم «الهولوكست» الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، وعن السعي الذي لا يتوقف لتقسيم العالم العربي وزرع الفوضى فيه !!
المؤتمر الخامس للإصلاح كان يجسد المشهد كاملا.. فمن ناحية كانت هناك مشاعر الإحباط والإحساس بأن الحديث عن الإصلاح لم يعد يتعدى نطاق الكلام المكرر، ومن ناحية كان موضوع المؤتمر عن «الإعلام والديمقراطية والمسؤولية المجتمعية» يقدم صورة للإشكاليات التي تعاني منها المجتمعات العربية والصراعات التي تدور فيها حول الحاضر والمستقبل.
فلا شك أن الإعلام العربي قد قطع شوطاً خلال السنوات القليلة الماضية على طريق الحريات. وأي نظرة على الإعلام المكتوب أو المسموع أو المرئي تدل على أن هامش الحرية قد اتسع، وأن ما كان ممكناً محاصرته قبل سنوات لم يعد كذلك في ظل الفضائيات والإنترنت وغيرها من الوسائل الحديثة التي فرضت أمراً واقعاً جديداً لم يعد في الإمكان تجاهله.
و مع ذلك فقد كان على المؤتمر أن يواجه عدداً من القضايا التي تجسد مدى الضراوة التي يخوض بها أعداء حرية الصحافة معركتهم في الوطن العربي كله: كانت هناك قضية استمرار صدور أحكام بحبس الصحفيين (وغير الصحفيين) في قضايا النشر، في وقت انتهت فيه هذه العقوبة في مثل هذه القضايا من العالم كله إلا استثناءات لا يعتد بها.
وكانت هناك قضية الوثيقة التي أصدرها وزراء الإعلام العرب حول تصورهم لتنظيم البث الفضائي العربي. والتي أثارت المخاوف من أن تتم ترجمتها إلى قوانين جديدة تقيد المساحة المتاحة من الحرية في الفضائيات.
وتستغل الحاجة إلى مقاومة تيار الإسفاف ونشر الجهالة والخرافة والدعوات الطائفية، للعصف بما أصبح متاحاً للقارئ والمشاهد العربي من خدمة إعلامية تقدم الأخبار والمعلومات وتغطي الأحداث السياسية وتناقش القضايا الهامة.
وكانت هناك قضية مطالبة الإعلام بكشف الحقائق في ظل الغياب الكامل لقوانين تضمن حق المواطن في المعلومات وتنظم هذا الحق في إطار الحرب على الفساد وضمان الشفافية.
ولكن الأخطر من كل ذلك هو غياب ثقافة الحوار التي تقبل النقد وتحترم الرأي الآخر ولا تعتقد أنها تحتكر الحقيقة. وفي غيابها يعاني الإعلام من القيود والقوانين الجائرة، وتظل الديمقراطية مطلباً مؤجلاً ويظل الحديث عن الإصلاح يراوح مكانه لحين إشعار آخر.
كاتب صحفي مصري