كعادتها كل أربع سنوات، أميركا مشغولة بانتخاب رئيس جديد لها يقودها خلال السنوات الأربع القادمة،وكالعادة يقدم كل مرشح للرئاسة ورقة تشمل رؤاه لحل المشاكل والتحديات المختلفة التي تواجه المواطن الأميركي في قضايا تشمل الصحة والهجرة والتعليم والأمن وقضايا أخرى بما في ذلك السياسة الخارجية.
وكالعادة أيضا، تبرز إسرائيل كأحد أهم العوامل في تقرير من يصل إلى البيت الأبيض ومن يتعثر ويسقط في وسط الطريق. أما العرب فهم، كالعادة أيضا، يقفون متفرجين على ما يحدث على أساس أن ما يحدث شأن أميركي داخلي،وأنهم سيتعاملون مع الرئيس القادم أيا كانت هويته وتوجهاته.
هذا الموقف العربي بدهي ومقبول بالطبع لو لم يكن للبيت الأبيض ذلك التأثير الكبير في مقدرات هذه المنطقة ومسيرة شعوبها. ولذلك فإن ما تفعله إسرائيل في ترجيح كفة مرشح على آخر يقع في صلب اهتماماتها ونشاطاتها، وتوظف من أجله كل طاقات اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة من أجل ضمان وصول المرشح الأكثر دعما لإسرائيل إلى البيت الأبيض. وبما أن اللوبي الإسرائيلي لا يجد منافسة تذكر على الساحة الأميركية، فإنه يكون عادة مكونا أساسيا من مكونات نجاح أي رئيس أميركي في الانتخابات.
وتركز إسرائيل عادة على ثلاثة محاور أساسية لضمان نجاح مرشحها: المحور الديني،والمحور الاستراتيجي، والمحور الدعائي. فمن الناحية الدينية، تعتمد إسرائيل على معتقدات للمتطرفين المسيحيين من التيار التبشيري،والذي ينتمي إليه المحافظون الجدد وما يسمى بالمسيحيين الصهاينة، والذين يؤمنون، من بين أمور أخرى، أن المسيح عليه السلام لن يعود إلا إذا قامت معركة (أرماجيدون) الفاصلة بين الخير (اليهود) والشر (المسلمون) وقتل فيها ملايين البشر.لذلك فهم يؤيدون التيار اليهودي المتطرف سعيا وراء تلك المعركة الفاصلة.
ومن الناحية الاستراتيجية، تلعب إسرائيل منذ تأسيسها دور الحامي الأول للمصالح الأميركية والغربية في الشرق الأوسط، ولم تتردد يوما من الأيام في تنفيذ أية مهمة أوكلت إليها في هذا المجال. حتى في مفاوضات السلام المتعثرة في الشرق الأوسط، والتي كانت إسرائيل تميل إلى استئنافها مع أطراف متعددة، رضخت إسرائيل لمطالب الإدارة الأميركية التي أبدت عدم رضاها عن العودة إلى المفاوضات في هذه المرحلة.
ومن الناحية الدعائية، يؤمن اللوبي الإسرائيلي بالطبع أفضل تغطية إعلامية للمرشح الذي يختاره، خاصة أن قنوات كبيرة وهامة في الإعلام الأميركي تخضع بشكل مباشر لتيارات صهيونية أو مؤيدة للصهيونية العالمية. هذه العوامل وغيرها تضع إسرائيل في قلب الانتخابات الأميركية، ولذلك لا غرابة في أن يتسابق المرشحون في إبداء تأييدهم لإسرائيل والحج إليها في فترة الانتخابات لضمان أصوات الناخب الأميركي الذي يتأثر بشكل أو بآخر بواحد أو أكثر من المحاور التي تلعب عليها إسرائيل.
إذا كانت إسرائيل موجودة بهذا الزخم في الانتخابات الأميركية فأين هم العرب؟ سؤال ربما تكفي نظرة واحدة على الحال المؤسف الذي وصل إليه التشرذم والانقسام العربي، حيث أصبحت المصالح الإقليمية والشخصية الضيقة تتحكم أحيانا في سياسات حكومات عربية متعددة، وأصبح التدخل في شؤون دول عربية أخرى هدفا أساسيا للسياسة الخارجية لهذه الحكومات،بل أصبحت المبادرات العربية لحل بعض الأزمات هنا وهناك تجد أكثر من تفسير لبنود من المفترض أن الجميع وافقوا ووقعوا عليها.
إن على العرب أن يعوا أن الرئيس الأميركي القادم، كائنا من كان، لن يعير اهتماما للحقوق العربية ما لم يجد أن من يطالب بها طرف قوي ومتماسك ويعرف كيف يستخدم أوراقه القوية التي تبعثرت يمنة ويسرة في الوقت الحاضر.
وسواء كان الرئيس القادم ديموقراطيا أم جمهوريا،فإنه لن يكون عربيا بمواقفه بالتأكيد، ولن يتوقف الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل ما لم يتضامن العرب معا ليشكلوا قوة ضغط تجبر الولايات المتحدة وغيرها على احترامها وتبني مطالبها العادلة،فالعدالة لا تتحقق أحيانا ما لم تكن هناك قوة تقف وراءها وتدعمها.
