تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة للحرب على العراق والتي أسفر عنها واحد من أكبر الانهيارات العربية في التاريخ المعاصر ليس فقط لأن هذه الحرب انتهت باحتلال العراق بل لأن هذه الحرب افتقدت لكل المبررات القانونية والانسانية ومع هذا جرت أمام ناظر العالم والعرب حتى انها اختبرت حضارة العالم وتقدمه كما اختبرت ضعف الأمة وهوانها علما أن هذا الهوان يختبر يوميا وفي أنحاء وقضايا عربية مختلفة.
في كل عام من الأعوام الخمسة كان المحتلون يقدمون للعراق جملة من المستجدات والأحداث والخطط والسيناريوهات الى أن وصلنا إلى اليوم الذي أضحى فيه العراق أخطر مناطق العالم والبلد الأكثر مأساوية وتدهور حسب آخر تقارير منظمة الصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية ، ومع هذا فقد استحق أن يكون أول احتلال في التاريخ كامل الخدمات والمنافع ليس للعراقيين إنما للمستجلبين مع الاحتلال وبعبارة إنه احتلال خمس نجوم لأولئك السياسيين واشباه السياسيين وثلة من الشخصيات العراقية وأشباه العراقية.
عندما شنت الولايات المتحدة حربها على العراق في يوم 19 ـ20 مارس 2003 كانوا العراقيين الشرفاء أبناء وادي الرافدين الذين لم يشربوا سوى من دجلة والفرات ولم يكن لهم ولاء إلا لتراب العراق الذي تشبع بدماء أجدادهم هؤلاء كانوا في ذلك اليوم يتناخون على حدود العراق بسلاح نبذته أضعف وأفقر جيوش الأرض ، لم يكونوا انتحاريين بصورة من نراهم اليوم يفجرون المدنيين ويستبيحون الدم والعرض العراقي، كانوا مجاهدين سلبوا من كل وسائل الحرب الحديثة إلا من إيمانهم أن هذا البلد يجب أن لا يمر فيه المحتل الأجنبي دون أن يكون هنالك ثمن حتى ولو كان هذا الثمن دماءهم الزكية .
في ذات الوقت لم يكن من بين هؤلاء العراقيين تلك الأسماء التي ترونها اليوم متقدمة الصفوف عالية الهامات والمقامات يكاد احدهم يسرد لك قصة طويلة من نضاله الذي محتواه أنه كان هاربا إما إلى إيران حيث فيها جذوره ومواليه أو إلى أوروبا مرفها مترفا يأكل ويشرب من قوت تدفع ثمنه إحدى أجهزة المخابرات ، وحتى مع إعلانهم المعارضة للنظام العراقي إلا أنهم فشلوا في أن يثبتوا للعراقيين أنهم من صنف المعارضين الوطنيين.
حيث لم يكابدوا عناء ليبقوا في العراق ليقدموا نموذجا للمعارضة السياسية الوطنية القادرة على أن تكون بديلا سياسيا ناجحا كان يمكن أن يجنب العراق ويلات الكارثة أو حتى يقدموا لنا شخصيات نقول انها قاتلت مثلنا وجاعت مثلنا أو بحثت عن الدواء الذي حرم منه العراق في واحدة من أقسى وأبشع أنواع الحصار الاقتصادي الذي فرضت على شعب من الشعوب.
هؤلاء في اليوم الذي كانت فيه الولايات المتحدة تستبيح أرض العراق وتذبح رجاله بكل أنواع الأسلحة الفتاكة المتطورة كانوا هم ينتظرون النتائج مستكينين في احد الفنادق الفخمة التي تعودوها وتعودتهم منذ أيام نضالهم بعد أن أقنعتهم الإدارة الأميركية بأن تشتتهم وانقسامهم وتبادلهم الشتائم يجب أن يتوقف لأنهم يجب أن يظهروا للعالم بأنهم سياسيون وطنيون ناضجون.
وبعد أن أتمت الولايات المتحدة مهمتها جلبتهم أنيقين ومرتبين لتعلنهم قادة للعراق الديمقراطي الجديد
أمام هذه المعضلة قدمت الولايات المتحدة خدمة جديدة وهي خدمة حفظ الأمن أو ما يعرف بخدمة أمن بغداد حتى صارت الدوريات الأميركية تقوم بعمل الشرطة في بعض المناطق الساخنة. الاحتلال يبني الأسوار لحفظ الأمن ويقاتل الإرهاب وينظم عمل الوزارات ويحمي الوزير ويسهل سفره إلى الخارج حيث تدار من هناك شؤون الوزارات والدوائر.
بل وحتى خدمة المصالحة بعد أن ساد التناحر والسجال بين الأطراف السياسية العراقية. ولكي لا أطيل عليكم فإن خدمات الاحتلال تمددت إلى درجة تأمين حياة الشخصيات في الحكومة العراقية وحياة أهلهم وإعداد الأسرة والوسائد الآمنة الدافئة لها في المنطقة الخضراء، ولا تكاد تتركهم حتى تتأكد الإدارة الأميركية بنفسها بأن الحكومة العراقية قد أوت أمنه إلى فراشها وتمت تغطيتها.
إذن لا عجب أن تصر الحكومة العراقية على أهمية استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق فليس من السهولة أن تجد محتلا يقدم كل هذه الخدمات الرائعة. وكل سنة تحافظ الإدارة الأميركية على بقاء هؤلاء السياسيين تستحق ان تكرم بنجمة فليس من السهل أبدا الحفاظ على سياسيين لا يفقهون شيئا سوى تبادل الاتهامات والتناحر والتشتت والفوضى وبيع ثروات العراق بالقطعة أو بالجملة لمن يدفع لهم أكثر سواء أكانوا تجارا دوليين أو طامعين إقليميين .
كاتبة عراقية