ارتبطت الثورية في الثقافة العربية بالنقاء، وكثيرا ما تربط الكلمتان معا في التعبير الشائع ـ ولا بأس أن نقول ـ والمخادع «النقاء الثوري»، لكن الزعماء الثوريين الكبار في القرن العشرين: أتاتورك - لينين ـ هتلر ـ ستالين ـ ماو ـ صدام حسين.. ..لم يكن أي منهم ليستحق وصفه بأي نوع من أنواع النقاء، لكن المصيبة أن من الصعب بل من الصعب جدا إقناع الثوريين الصغار (مستهلكي القصص والشعارات الثورية) بحقيقة الزعيم الثوري لأن بناء صورة هذا الزعيم في وجدان أتباعه تتضمن بالضرورة لعبة احتيالية مغلقة لم تفقد ـ رغم بساطتها ـ قدرتها على حماية قداسة هذا الزعيم للأبد في البعض، حتى لو كان هذا البعض قليلا.
لعبة مطاردة الشياطين: لا تكاد تخلو تجربة ثورية من لعبة «مطاردة الشياطين»، ويقصد بهم «أعداء الشعب» وهي فكرة ماكرة ولدت للمرة الأولى على يد قادة حقبة الإرهاب من تاريخ الثورة الفرنسية واستخدموها بدموية لا نظير لها للتخلص من مئات الآلاف من خصومهم عبر دعوتهم لحماية الثورة من «أعداء الشعب»، ثم في مرحلة لاحقة أضيفت «المؤامرة اليهودية» إلى وسائل التضليل الثوري فأصبح بالإمكان تصنيف أي موقف نقدي أو عدائي ضمن حلقات المؤامرة اليهودية.
ويتم وضع هذا الشعار على قمة معمار محكم مغلق: الثورة أعظم إنجازات الأمة، الزعيم رمز الثورة، استهداف الزعيم استهداف للأمة، وفي النهاية فإن الأكاذيب هي السلاح المفضل للمؤامرة اليهودية وأذنابها طوال التاريخ.
وهكذا تختفي الحقيقة ـ أو تكاد ـ وتستمر لعبة تقديس تؤدي في النهاية إلى بناء «جدار حديدي» يحاصر وعي الأمم ويحكم على مستقبلها بالإعدام. ومن هنا تأتي أهمية كشف الأقنعة عن الزعيم الثوري الفرد حتى يخرج العقل العربي من هذا النفق المظلم و«يؤنسن» حكامه فينظر إليهم كبشر أسوياء لا كأنصاف آلهة، غالبا ينتهون إلى مصير مظلم بعد أن يدمروا أممهم.
ومن النماذج المهمة للأعمال التي تستهدف كشف هذه الأقنعة سيرة جديدة عن الزعيم الصيني ماو تسي تونج، (ماو تسي تونج: القصة المجهولة ـ ليونغ شانغ وجون هاليدي) والأولى ولدت في الصين عام 1952 وانخرطت في الحرس الأحمر وعمرها 14 عاما فقط. ثم اشتغلت بمصنع قبل أن تكمل دراساتها وتتعلم الإنجليزية وتصبح أستاذة جامعية. ثم أتيح لها أن تغادر الصين عام 1978 وتصبح أستاذة بجامعة يورك بانجلترا. أما جون هاليدي فهو كاتب ومؤرخ بريطاني كان أستاذاً زائراً في المعهد الملكي التابع لجامعة لندن.
قتلى زمن السلم: في هذا الكتاب الضخم (أكثر من 800 صفحة) يروي المؤلفان قصة حياته ويقولان ما خلاصته: لقد كان ماو يمتلك سلطة مطلقة على ربع سكان الأرض خلال 27 عاما وهو المسؤول عن مقتل 70 مليون صيني على الأقل في زمن السلام لا الحرب، فهناك 38 مليوناً قتلتهم المجاعة (1958 - 1961).
حيث كان الغذاء يصدر للخارج لاستيراد تكنولوجيا صناعية، وعندما كانت العائلة تتسلم 1200 وحدة حرارية يومياً، وهو أقل مما كان يتسلمه نزلاء معسكرات الاعتقال النازية، و27 مليوناً في السجون. أما الملايين المتبقية فقتلتها الثورة الثقافية. وبالتالي فقد قتل من الناس أكثر من أي قائد آخر في القرن العشرين، وهذا ما يجهله الكثيرون حتى الآن.
ويكشف المؤلفان عن أن القائد الصيني لم يكن مثاليا وإنما اعتنق العقيدة الماركسية اللينينية بشكل انتهازي لأنها تتيح له تشكيل الحزب الواحد والهيمنة على السلطة، وقد سيطر على الحزب الشيوعي الصيني في نهاية ثلاثينات القرن العشرين، ثم سيطر على كل مقاليد السلطة في الصين بدءًا من عام 1949 بعد حرب أهلية مرعبة وبعد أن ساعده الاتحاد السوفييتي على ذلك وعندئذ أصبح ماو أكبر قائد استبدادي في التاريخ. والغريب أن ماو تحول عندئذ إلى شخص مخفيّ عن الأنظار تقريبا، وهكذا زادت هيبته لدى الشعب وأصبح يسير الأمور من وراء الستار.
وفرض على شعبه حالة استنفار عسكري مستمر وهو استنفار تتخلّله من وقت لآخر فترات انفجار ثوري عارم وحملات إرهابية مرعبة. لكن هذا الإرهاب - حسب الكتاب ـ كان جزءًا من مخطط سري شامل يهدف لجعل الصين أكبر قوة عظمى في التاريخ بأمل الهيمنة على العالم، هذا حلم ماو المخفي لكن لا أحد يتحدث عن الجانب السري المجهول من حياته. ولهذا فإن الكتاب دعي بالقصة المجهولة أو السرية.
وقد أمضى الباحثان 10 سنوات يدرسان الأرشيفات السرية لتلك الحقبة قبل التأليف كما التقيا بشخصيات عديدة مهمة وأخذا منها شهادات عن ماو. ويمكن أن يقرأ هذا العمل بوصفه كتابا في الفلسفة السياسية على طريقة ميكافيللي فماو كان أكبر قائد انتهازي في القرن العشرين. وتنطبق عليه كلمة لين بياو الشهيرة: «السلطة السياسية هي سلطة قمع الآخرين». وقد استخدمها بالفعل لقمع الشعب الصيني كله وفرض عبادته عليه.
ومما يكشف عنه المؤلفان أساليب ماو في التلاعب السياسي الهادف لتصفية خصومه والصعود نحو القمة وقد أسس لسلطته الشخصية باستخدام الرعب لإخضاع الناس وكان يلجأ للسمّ إذا رفض أحد الخضوع له.
وهكذا سمّم العديد من الشخصيات التي اعترضت طريقه أو حاولت ذلك. وماو لم يكن مهتما بالدفاع عن بلاده ضد الغزو الأجنبي وإنما بكيفية تصفية خصومه السياسيين بل استغل الغزو الياباني ليفعل ذلك. ويقال إنه كان يتمنى لو أن ستالين واليابانيين يسيطران على الصين وليس خصومه السياسيون. ولعل من الطريف هنا الإشارة إلى أنه (كان مزواجا مطلاقا).
وإذا كان المؤلفان يختمان كتابهما بالقول: إن (صورة ماو وجثمانه يسيطران على ساحة تيان آن مين في قلب العاصمة الصينية)، فإن الأهمية الكبرى للكتاب أن ماو كان تأثيره السياسي كبيرا في عدد من الدول العربية وأن المزاج الثوري ما زال يحكم شرائح واسعة من نخبتنا الثقافية العربية.
والكتاب في النهاية حول ماو من أنبل مقاتل إلى أسوأ قاتل، من شخص كرس حياته لقضية الفلاحين إلى عدو وكاره عنيد لهم. أما الثورة الثقافية فلم تكن سوى أعظم عملية «تطهير» شهدها التاريخ.
كما أن المكر والكذب والتحالفات الانتهازية وإبعاد الأكفاء وعدم الاكتراث بالمقاتل التي تسبب بها أو قررها عمداً، هذه كلها، وصفات مشابهة أخرى كثيرة هي ما صنع شخصية ماو كزعيم سياسي.
ترى هل مثل هذا الكتاب يبرر الدعوة لمراجعة ما يشهده الإعلام العربي من ترديد «ببغائي» واسع جدا لمقولة «المعجزة الصينية»؟!
كاتب مصري