بعد أقل من 6 أشهر التقى للمرة الثانية وزراء الخارجية والدفاع لروسيا والولايات المتحدة، ضمن إطار صيغة 2+2 لمواصلة الحوار حول سبل التعاون الثنائي بين البلدين.

وكان من الطبيعي أن يحرص الوزيران الأميركيان على إجراء لقاء مع سيد الكرملين الجديد ديمتري ميدفيديف لتلمس نبض سياسة روسيا الخارجية خلال المرحلة القادمة.

وحاول ميدفيديف أن يقدم لضيوفه ما أرادوه فبدأ حديثه معهما حول الملفات الإستراتيجية العالقة بين موسكو وواشنطن، وأكد على وجود الإمكانية والرغبة للعمل مع الولايات المتحدة حتى يتم التوصل لتسوية حول قضايا الخلاف بين البلدين. وبذلك لم تخرج الصورة التي قدمها ميدفيديف للشريك الأميركي عن نهج السياسة الخارجية خلال عهد الرئيس بوتين.

لقاء 2+2 الذي استمر لأكثر من 5 ساعات، فشل في التوصل لأي تسوية للخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول خطة واشنطن لنشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، وإمكانية تمديد العمل لمعاهدة تقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، والموقعة من عام 1991، وستنتهي فترة العمل بها في أواخر عام 2009.

ووفق بنود المعاهدة كان يجب على روسيا والولايات المتحدة،أن تقلصا ترسانتيهما من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية إلى 1600 وسيلة لحمل الأسلحة الهجومية الإستراتيجية و6000 شحنة نووية، وذلك بشرط ألا يتجاوز عدد الشحنات النووية على الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ البالستية التي تطلق من الغواصات 4900 وحدة.

وعدد الشحنات النووية على الصواريخ البالستية المنقولة العابرة للقارات 1100 وحدة، وعدد الشحنات النووية على الصواريخ البالستية الثقيلة العابرة للقارات 1540 وحدة، وقلصت روسيا ترسانتها وفق بنود المعاهدة إلى 1136 وسيلة لحمل الأسلحة الهجومية الإستراتيجية و5518 شحنة نووية.

ولم يكن متوقعا أن تسفر لقاءات رايس وجيتس في موسكو مع لافروف وسيرديكوف عن تطورات في ملفات الدرع الصاروخية، باعتبار أن واشنطن مازالت تجرى مفاوضات مع بولندا وتشيكيا، لتوقيع اتفاقية تمكن الولايات المتحدة من نشر منظومتها على أراضي البلدين.

ما يعني أن واشنطن غير معنية بتقديم تنازلات إلى موسكو قبل أن تتوصل لاتفاق مع السلطات الحاكمة في البلدين، كما أن موسكو لا يمكن أن تقدم تنازلات في مفاوضاتها مع الأميركيين حول الدرع قبل أن تستنفد محاولاتها لإقناع بولندا وتشيكيا على مختلف المستويات برفض مشروع نصب المنظومة الأميركية على أراضيهما.

وستستمر هذه المناورات خلال العامين القادمين، باعتبار أن خطة البنتاجون قد حددت عام 2011 لبدء أعمال التشييد لنصب الدرع الصاروخية.

وتعتقد هيئة الأركان الروسية أن الخلاف الذي يتفاقم بسبب خطط واشنطن لنشر درعها الصاروخي في شرق أوروبا يأتي في إطار استمرار الجهود الأميركية المكثفة لتغيير الخارطة الجيوسياسية للعالم. وهو يشكل تهديداً للأمن الروسي، ويفرض على روسيا إعادة نشر قواتها وأسلحتها الاستراتيجية على أراضيها بما يضمن حماية أمنها القومي.

ويسود اعتقاد في الأوساط العسكرية الروسية بأن واشنطن تريد نشر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في شرق أوروبا بهدف مواجهة القدرة العسكرية الروسية وشلها، وذلك استنادا لتصريحات سابقة لوزير الدفاع الأميركي غيتس أشار فيها إلى إن بلاده تتطلع إلى إنشاء درع تحميها من صواريخ نووية روسية وصينية.

ويرى الخبراء العسكريون أن ما شيدته الولايات المتحدة من منشآت تابعة لمنظومة الدرع الصاروخي حتى الآن في ألاسكا وبريطانيا وغرينلاند سيمكن هذه المنظومة من فرض حصار كامل على روسيا.ويفسر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الجنرال يوري باليوفسكي الإصرار الأميركي على نشر الدرع برغبة الولايات المتحدة في فرض سيطرتها الإستراتيجية على العالم،والمحافظة على وتيرة الإنتاج الصناعي الأميركي بإنتاج ما يحتاجه مشروع الدرع الصاروخي.

أما ملف معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الإستراتيجية فيبدو انه مرشح لتحقيق تفاهم روسي ـ أميركي قبل انتخابات الرئاسة الأميركية، في إطار دعم مرشح الحزب الجمهوري ماكين في المعركة الانتخابية، من خلال رفع أسهم الحزب في بورصة مراكز الاقتراع.

وقد تقدمت واشنطن بالفعل بمقترحات في هذا السياق، وقد أعلن جيتس في موسكو أنه من المتوقع أن يحدث تقدم في المفاوضات الروسية ـ الأميركية حول الملفات الإستراتيجية قبل إنهاء بوش لفترته الرئاسية.

ويمكن القول ان محور الصراع بين موسكو وواشنطن هو ملف الدرع الصاروخية، الذي يحشد الطرفان كل قدراتهم السياسية والعسكرية للتعامل معه نظرا لما سيحدثه من أضرار فادحة بالنسبة لروسيا، حيث سيمكن القوات الأميركية من كشف كافة المواقع الروسية الإستراتيجية وشل عملها.

وهذا ما دفع موسكو للعمل على عدة محاور:

تطوير ترسانتها العسكرية والإستراتيجية بما يضمن مواجهة مشروع الدرع الصاروخية، والبدء في تنفيذ خطة الرد المتكافئ لمواجهة الدرع الصاروخية التي تتضمن نشر قواعد عسكرية في إقليم كالينينجراد وبيلاروسيا، وإدخال صواريخ توبول وأر ـ أس الانشطارية المتعددة الرؤوس النووية في الخدمة.

وإجراء تغييرات جذرية في بنية الجيش والأسطول الروسيين، تتضمن تشكيل «محاور عملياتية ـ إستراتيجية» بدلا من المناطق العسكرية الموجودة حاليا.

إضافة لتحديث أشكال وأساليب استخدام القوات المسلحة بل وتغير مفهوم «القوة العسكرية» بعينه، كما تم تزويد القوات الروسية بصواريخ جديدة تفوق سرعتها سرعة الصوت، ونشر منظومات الدفاع الصاروخية «اس ـ 400» الحديثة، والقادرة على مطاردة وتدمير 12 هدفا في نفس الوقت إقناع الأميركيين بتواجد العسكريين الروس بشكل دائم في منشآت الدرع الصاروخية، لمراقبة توجيه الردارات وعدم استخدامها في كشف المواقع الروسية الإستراتيجية.

إضافة لاستخدام خطط عسكرية لإعادة توزيع القوات ونشر صواريخ متعددة الرؤوس النووية، كورقة لردع إصرار واشنطن على نشر الدرع دون مراعاة طلبات روسيا.

إدخال الطرف الأوروبي في مفاوضات الدرع الصاروخية باعتبار أنها تهدد أمن أوروبا، حيث سيتم نشر الدرع على الأراضي الأوروبية ما سيجعل أوروبا ساحة للمواجهة، ولا يستبعد الخبراء العسكريون أن يتم نشر الصواريخ الاستراتيجية في إقليم كالينينجراد بالقرب من حدود الدول الأوروبية، ما يجعل أوروبا على مرمى الصواريخ الروسية. وهو ما قد يدفع أوروبا للتحرك باتجاه إيقاف المخطط الأميركي الخاص بنشر الدرع الصاروخي، حتى لا تتحول أوروبا لساحة لجولات الحرب الباردة.

إزاحة النفوذ العسكري الأميركي من وسط آسيا واستغلال القواعد الآسيوية في مواجهة الدرع الأميركية، وبعد أن تمت إزالة القواعد الأميركية من أوزبكستان، جدد الرئيس القرغيزي كرمان بك باقييف مطالبته بإجلاء القاعدة العسكرية الأميركية المسماة ب«ماناس» عن قرغيزيا، بالرغم من تقدم واشنطن بعرض زيادة إيجار القاعدة إلى عشرين مليون دولار سنويا.

ولاشك أن انتخابات الرئاسة الأميركية ستفتح ملفات جديدة في الخلاف بين موسكو وواشنطن، ما قد يعيق الحوار بين البلدين، إلا أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة قد يكون السبب الرئيسي للإسراع في نشر الدرع الصاروخية بصرف النظر عن مواقف روسيا، نظرا لما سيوفره هذا المشروع من عائدات للخزينة الأميركية، وتنشيط لحالة الركود التي يمر بها الاقتصاد الأميركي.

مركز دراسات الطاقة ــ روسيا