أزيز الريح العاتية، وقصف الموج المتلاطم، لا يُرهب إلا السفن الخاوية من الإرادة ومن البوصلة التي تعرف الاتجاه الصحيح، ولا يُغرق إلا الربابنة الذين لا يجيدون تدجين الريح ولا ترويض الموج، ولو أن إعصارا كالإرهاب ضرب دينا غير الإسلام، أو أمة غير المسلمين لكانوا اليوم خبرا بعد عين.
في محاولات اختراق ساتر الغموض وإماطة اللثام عن الأسرار التي عادة ما تغلف الأحداث والوقائع التاريخية، يلجأ الباحثون إلى المنهج العلمي والتجريبي الذي يقوم على وضع الفرضيات والاحتمالات المنطقية ثم جمع التفسيرات والأدلة القطعية أو الظنّية واختبارها أو محاكاتها على الوقائع المشابهة في سبيل الوصول إلى الحقائق.
وبالتالي استخلاص النتائج وإجراء المحاكمات وتأطير الظواهر التاريخية، بل والذهاب إلى ما وراء ذلك بمحاولة التنبؤ واستشراف مجاهيل المستقبل المتكتم دائما على غيوبه ومفاجآته.
هذه الوصفة المنهجية تستمد معلوماتها الحيوية من ثلاثة مصادر: المبادئ والأسس والأصول النظرية التي تمثل المرجعية العلمية للبحث والدراسة، والبيانات والنتائج الكمية والإحصائية ووتيرة إيقاعها واتجاهاتها، والسمات أو الملامح الثقافية والبيئية لمحرك الصراع أو الواقعة التاريخية أو أطرافها الأساسية.
تلكم الوصفة التي لا يجد العالم المتقدم اليوم عنها محيصا أو بديلا آخر يتوافق مع العقلية العلمية التي يؤمن بها، والتي إليها وحدها ينسب الفضل على حضارته، والتي إليها فقط تؤول المرجعية في قبول أتفه الأمور وأجلّها شأنا أو رفضها؛ تلكم الوصفة العسلية المذاق لم تصبح أكثر مرارة من العلقم، ولم تنل من الإهمال والعقوق، كما لم تتهم في حكمتها ورجاحة عقلها، كما حدث وما زال يحدث وسيبقى حادثا لها إلى نهاية التاريخ في مسألة اتهام الإسلام بعلاقته الأبوية مع الإرهاب.
اليوم، ربما تكون الكثير من صحف الإرهاب قد طويت منذ الإعلان الرسمي عن ميلاده في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتحول الكثير من أسراره وخفاياه إلى حقائق معروفة ومؤيدة بالأدلة المادية بالنسبة لعدد كبير من المتعطشين إلى الحقيقة من أجل الحقيقة.
ولكن المثير للدهشة أن أضعافا مضاعفة من البشر وعلى رأسهم رموز سياسية وثقافية وإعلامية بل ودعوية مازالت تلاحق السراب، وتلوك بهمة ومثابرة تُحسد عليهما نفس العلكة الأمريكية المنتهية الصلاحية، وتمارس بلا استحياء ولا خجل وبلا تردد مهمة المصادقة وإقرار الحكم الذي أصدره الجلاد في حق ضحيته بعد محاكمة تدرك أنها كانت غير نزيهة وغير عادلة وغير شفافة.
وتشبثا بالحق الذي تكفله كل الشرائع والقوانين، ومن منطلق ضرورة التيقن من قانونية تهمتنا، وبحثا عن الحقيقة من أجل سواد عيونها بدلا من الاستسلام لآلام العقوبة فوق آلام الوهم الساكن في أحداقنا ونحن نتقبل الاتهامات الموجهة إلى ضمائرنا وسرائرنا وعقولنا على طريقة غسيل الدماغ، دون أن نتبين - بأنفسنا على الأقل - كمية الحق أو الزور الذي انطوت عليه عريضة الاتهام؛ من هنا فإننا سنعيد فيما يلي محاكمة أنفسنا.
وسنراجع بكل منهجية عمق جراح التهمة التي تألّب الغرب في أعتى هجوم تشكيكي على إلصاقها بكل من يحمل في أوردته وشرايينه الهوية العربية والإسلامية، ويتنفس كلمة التوحيد، وسنستخدم في مراجعتنا نفس المكونات والمقادير والخطوات التي تتكون منها وصفة البحث العلمي.
سنختبر أولا قوة المعلومات والأدلة الظنية والقطعية التي جرى التقاطها من مسرح الجريمة، ومدى موضوعيتها ومنطقيتها، فإذا وجدنا أن المبادئ والقيم والأصول النظرية للإسلام تأمر بالرحمة والسلام فلا يمكن إذن أن يكون الإسلام دينا للوحشية والعدوانية.
وإذا كانت تلك المبادئ تحترم الحياة والبناء فلا يمكن إذن أن يكون الإسلام دينا للموت والتدمير، وإذا كانت تحث على العلم والعطاء فلا يمكن إذن أن يكون الإسلام دينا للحماقة والتخريب، وإذا كانت تتحلى بالحكمة والتسامح فلا يمكن إذن أن يكون الإسلام دينا للنزق والانتقام، وإذا كانت تقدر الشرف والأخلاق فلا يمكن إذن أن يكون الإسلام دينا للمؤامرة والغدر؛ وبشيء من التركيز على بؤرة الموضوع.
إذا كان السيف في الإسلام يلعب دور القوة أو الخط الدفاعي ولا يخرج من غمده إلا لحماية دعوة الحق، ويمثل رمز الأمان الذي يلوذ إلى ظله أطفال المسلمين ونسائهم وأمنهم ومكتسباتهم الحضارية بل ومن يعيش في ذمتهم من غير المسلمين، إذن لن يكون السيف المسلم بعد ذلك وفي أي وقت من الأوقات أداة للإبادة وإزهاق الأرواح ولا وسيلة للنهب ووطء رقاب الأمم.
وإذا تبين لنا - عند تشريح البيانات والحقائق التاريخية - أن سجل الأمة الإسلامية هو أفقر تواريخ الأمم رصيدا في اللصوصية وفي شهوة القتل والولوغ في دماء الأبرياء والمدنيين، وأن الفتوحات الإسلامية العظمى وحركات التحرر التي أشعلها المسلمون وبمقاييس الموضوعية وبالاحتكام إلى نفس المنطق الذي قامت عليه كل الحضارات والدول على امتداد التاريخ تصنف على أنها بطولات وإنجازات عسكرية وحضارية.
أما إذا جاء من يسمّيها إرهابا، فإن تاريخ البشرية كله سيصبح من مبتدئه إلى يومنا هذا مسطّرا بجرائم قطاع الطرق والقراصنة والمرتزقة؛ ولا يفوتنا هنا أن نلقي إضاءة على بعض البقع السوداء في تاريخ المسلمين، لندرك فورا أنها بقع ملوثة بأفعال النماذج التي تسربت من الأبواب الخلفية للقلعة الإسلامية أو تقاطعت خطوطها مع الخط الحضاري الإسلامي على مفترقات طرق التاريخ كالحشاشين والخوارج والرافضة.
وأنها لم تنتم إلى الهوية الإسلامية أبدا، وإنما هي طفيليات غريبة وشاذة نمت كالفطريات على جذور الأمة وسيقانها واستمدت حياتها وبقاءها من دماء المسلمين ومن أمنهم ومن فرصتهم لقيادة البشرية نحو المزيد من المنجزات الحضارية.
تقول حقائق التاريخ أيضا أن الدولة الإسلامية في حقب قوتها والتصاقها بروح الإسلام (وليس في فترات ضعفها وإدارتها من قبل أعدائها المتسللين على مطايا النوايا الحسنة إلى بلاطات الحكم) كانت في غنى عن تأسيس الخلايا السرية وأجهزة المخابرات والجاسوسية القائمة على المبدأ المكيافيللي «الغاية تبرر الوسيلة»، لأنها كانت ترتكز على أرضية صلبة من الأخلاق والقيم.
أما مثل هذه الخلايا والأجهزة التي صارت جزءا من المؤسسة العسكرية والسياسية للدولة المعاصرة منذ بداية القرن العشرين مثل «السي آي إيه» و«الموساد» «والكيه جي بي» وغيرها العشرات ففيها عششت فرق الموت التي تبرمج على تمهيد الأرضيات للتغيرات السياسية واصطياد المصالح بشبح الموت، وبين دهاليزها تمتعت بغطاء التوجيه والاحتماء واقتناص الثروة.
في تشخيص السمات أو الصفات الثقافية والبيئية للإرهاب، هنالك الكثير من الخيوط المنطقية المتقاطعة التي ربما يتعامى عنها الكثيرون، لأنه لا يوجد إنسان عاقل يعتقد أنه عندما يكسر حجر زجاج نافذة فإن التلّة التي جُلب منها ذلك الحجر هي المسؤولة عن إتلاف النافذة؛ كما أن أي شخص سويّ لا يفكر مجرد تفكير في اتهام الحصان الذي يحطم الأواني الزجاجية الموجودة في الغرفة بأنه مرتكب تلك الفعلة الشائنة، بعدما رآه يرتع وادعا في المرج القريب، ثم جاء من يجرجره إلى داخل الغرفة.
وأيضا لو أن أحدا رأى فنانا عربيا متأثرا بالفن الياباني ويستلهم تصوير لوحاته من وحي ذلك الفن، فلن يعتبر هذا الفنان منتميا إلى مدرسة الفن العربي، إذن مَن مِن الناس لو رأى شخصا عربيا يشاهد فيلما سينمائيا يحكي جريمة سطو، ثم قام ذلك الشخص وأعاد على الطبيعة أحداث ذلك الفيلم، يستطيع أن ينسب تلك الجريمة إلى أمة بأسرها؟
دعونا الآن نلخص النتائج، إذا كانت أصول الإسلام ومبادئه على مستوى من السمو والعلو لا يسمح لها بمجرد التماسّ مع دونية الإرهاب وقاعيّته، فإن إقحام الإسلام في إسطبل الإرهاب يصبح خبثا في منتهى الغباء؛ وإذا كان تاريخ المسلمين مطرزا بالبطولات والتضحيات والإنجازات الحضارية.
فقد كان أحرى بالقضاة أن يفتشوا بين صفحات التواريخ الأخرى الملطخة بدماء الأبرياء للبحث عن جذور ذلك الإرهاب؛ وأما إذا تفحصنا سمات الإرهاب وفوضويته، فإننا نعترف بأننا وجدنا مع سمات أفلام الجريمة الأمريكية وبيئتها وأساليبها المتناثرة بكثرة على مسرح الأحداث، شيئا من بصمات أبناء المسلمين ودخان نارهم، فمن أين جيء بهذه البضاعة لتوضع في رحال المسلمين؟
وأي بيئة سياسية واجتماعية عاش فيها أولئك الأبناء؟ وكم من الذنب تتحمله عنهم أنظمة الحكم ومناهج التعليم والعدالة الاجتماعية وأجهزة الإعلام حتى رمت بهم إلى أحضان الإرهاب؟ وأي أبواب خلفية للمجتمع الإسلامي تلك التي تسربوا منها؟.
علينا إذن أن نستوعب جيدا أن لعبة الإرهاب كانت وما تزال أكبر بكثير من مجرد فتية حاقدين أو مغسولي الأدمغة، وأن وراء اللعبة أجهزة عالمية ضخمة بحجم أطماعها السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، أما أنظمة الحكم العربية فعليها أن تتصدى للأزمة باحتضان أبناءها ولو كانوا منحرفين لا أن تنبذهم، لأنهم أحوج إلى حنانها من نقمتها.
وأما إن كانوا من محترفي الإرهاب الميؤوس من شفائهم، فإن أفق المستقبل يلوح إلى أن الثمن الحقيقي لشقاوتهم ستدفعه الدول والأجهزة التي جندتهم لخدمة مصالحها، وصدق الحق سبحانه وتعالى: «. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (الآية 227، سورة الشعراء).
كاتب إماراتي