انتهت قبل أيام القمة الحادية عشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بحضور عدد كبير من كبار الساسة والخبراء والإعلاميين من كافة العالم الإسلامي والدولي. وتناولت القمة التي عقدت يومي 13 و14 مارس الجاري مجموعة من القضايا السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية التي تهم الأمة الإسلامية، ولكن الحدث الأكبر والأبرز كان بتبني ميثاق جديد لمنظمة المؤتمر الإسلامي بعد جهود كبيرة ومضنية لأكثر من عامين من قبل الأمين العام البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلي.

لا شك في أن تبني 57 دولة عضوة في المنظمة لميثاق جديد ليس بالأمر السهل أو العادي سيما وأن العديد من المنظمات الدولية الأخرى تحاول منذ عقود طويلة لاعتماد ميثاق جديد لها ولم يحالفها الحظ حتى الآن أو أنها حققت نجاحاً محدوداً في إضافة فقرة أو أكثر لميثاقها القديم ومثال على ذلك جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

وعليه فإن نجاح الأمين العام في إقناع الدول الأعضاء بقبول الميثاق الجديد بإجماع يشير إلى أمرين أساسيين هما:

أولاً: يبدو أن الدول الأعضاء ترى بأن المرحلة القادمة في العلاقات الإقليمية والدولية تتطلب دوراً جوهرياً مختلفاً عما سبق للمنظمة وأمينها العام على المستويات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية سواء في العلاقات البينية للدول الأعضاء أو في علاقات الدول الأعضاء مع العالم الخارجي.

وهذا يتطلب جدول عمل جديدا للمنظمة وصلاحيات أكبر للأمين العام ومساندة أقوى وأوضح من قبل الدول للمنظمة، الأمر الذي لم يتوفر في الميثاق القديم التي اتسمت بنوده بالغموض والمحدودية.

ثانياً: أن الأمين العام الحالي، جاء عن طريق الانتخاب بالتصويت لأول مرة منذ إنشاء المنظمة، لديه رؤية واضحة وخطة عمل لما يجب تحقيقه منذ توليه للمنصب في يناير 2005.

لقد أعلن مراراً وتكراراً وفي أكثر من مناسبة أنه لا يمكن الارتقاء بعمل المنظمة وتحقيق الأهداف والخطط التي أعلنت في قمة مكة المكرمة الاستثنائية عام 2005، وخاصة الخطة العشرية، ما لم يستبدل الميثاق القديم بميثاق جديد يتناسب والمتغيرات الإقليمية والدولية والأخطار التي تواجه الأمة الإسلامية.

لقد ذكر البروفيسور إحسان أوغلي قبل عام لصحيفة العرب نيوز السعودية بخصوص الميثاق القديم أنه «لا يمكن قيادة منظمة المؤتمر الإسلامي في القرن الواحد والعشرين والتي تمثل العالم الإسلامي في آسيا وافريقيا وأوروبا وأميركا الجنوبية بميثاق قديم كتب واعتمد عام 1972».

إن ما أراد أن يقوله أمين عام المنظمة للدول الأعضاء في السنوات الثلاث الماضية منذ توليه المنصب ان الميثاق القديم لا يصلح العمل به بعد التطورات الدراماتيكية التي طرأت على المنطقة وفي العالم وأن النظام الدولي القديم الذي عرف بثنائي القطبية سقط واستبدل بنظام احادي القطبية تقوده الولايات المتحدة.

وأن العالم الحديث الذي نعيشه ونعيش تحولاته لأنه ما زال يمر بمرحلة انتقالية على المستوى الدولي مقبل لا محالة على تطورات سياسية واقتصادية وثقافية كبيرة تتطلب من العالم الإسلامي شعوباً ودولاً أن تتسلح بالأدوات والأساليب العملية والعلمية القادرة على مواجهة التحديات والصعوبات وحتى المؤامرات على أكثر من صعيد.

ولكن على الرغم من أن العالم الجديد اختلف عن سلفه القديم وأن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي قبلت باعتماد ميثاق جديد يحدد الدور الجديد الذي ستلعبه المنظمة وأمينها العام في المرحلة القادمة إلا أن الميثاق الجديد لم يرتق إلى المستوى المطلوب بعد مرور أربعين عاماً منذ أن تأسست المنظمة إثر الحريق الذي طال المسجد الأقصى بفلسطين على أيدي متطرفين يهود عام 1969 والشعور لدى العديد من الدول الإسلامية وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية بضرورة وجود مظلة سياسية على غرار الجامعة العربية توحد جهود العالم الإسلامي كبديل منهجي للوحدة الجغرافية والسياسية للمسلمين والتي سادت أثناء الحكم العثماني.

فالميثاق الجديد يفتقر أولاً وقبل كل شيء الى ولادة مجلس أمن إسلامي على غرار مجلس الأمن الدولي للنظر في قضايا العالم الإسلامي لا كبديل لمجلس الأمن الدولي الذي نحترمه ونعترف به ونؤمن بقراراته التي لم تحقق العدل والأمن والرخاء للعالم حتى الآن ولكن ليصبح المرجعية الأولى قبل الأمم المتحدة وباقي المؤسسات الدولية الذي ينظر في قضايا العالم الإسلامي وهمومه وآلامه ويجد الحلول المناسبة للقضايا الخلافية ويشكل النواة الحقيقية لحل الأزمات الكثيرة والمعقدة التي أصابت وتصيب العالم الإسلامي.

لقد فقد العالم الإسلامي الأمل بعمل المؤسسات الدولية المنحازة لجهات دولية نافذة لا يجهلها أحد وكان الأمل في بديل عربي أو إسلامي قادر على إظهار المصداقية والشفافية والتجرد التي افتقدتها الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة بسبب سيطرة الدول الكبرى وحلفائها الصغرى في منطقتنا وخارجها.

ولكن بعد ميلاد الميثاق الجديد في قمة داكار الإسلامية الناجحة، وهذه خطوة إيجابية نحو الأمام، إلا أن الأمل تلاشى بعد أن استثنى الميثاق الجديد طموح المسلمين بمجلس أمنهم الإسلامي على أمل أن تتدارك المنظمة وأمينها العام والدول الأعضاء في المستقبل القريب أهمية هذا الأمر ويتم إضافة فقرة ملحقة بهذا الخصوص. وهذا أمر ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية عند المعنيين.

الأمر الثاني والهام الذي تم تجاهله في الميثاق الجديد هو غياب فقرة تعلن بموجبها ولادة وحدة قوات منظمة المؤتمر الإسلامي لحفظ الأمن والسلم على غرار الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الأمر كان ملحاً في هذه المرحلة التاريخية تحديداً لأهمية وجود قوات حفظ أمن وسلم إسلامية كبديل عن القوات الأجنبية القادمة من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والحلف الأطلسي وغيرها. وأن عدم ولادة مثل هذه القوات ليس مبرراً ولا مقبولاً سيما وأن الأزمات في العالم الإسلامي تتزايد من جهة، وأن تدخل القوات الأجنبية في عالمنا الإسلامي فشل في حل الأزمات أو أنها تعاملت مع الأزمات لمصالح الدول الأجنبية الكبرى من جهة أخرى.

هذه هي الملاحظات الأساسية على الميثاق الجديد الذي نرحب بولادته وندرك أهميته للمرحلة القادمة ولكن لا بد من أن نذكر نواقصه وهي أساسية وجوهرية نأمل بتداركها في المستقبل القريب.

أما بالنسبة للقرارات الأساسية التي تتعلق بالقضايا الجوهرية وتحديداً فلسطين والعراق ولبنان ودارفور فالموضوعية في التحليل السياسي والاستراتيجي يحتم علينا أن نقول بكل صراحة وتجرد انها لم ترتق للمستوى المطلوب الذي تنتظره الشعوب العربية والإسلامية ولم ترتق لمستوى التحديات التي تواجهها هذه القضايا وتداعياتها على شعوب ودول المنطقة.

إن القرارات السياسية التي أعلنتها القمة الإسلامية في داكار كانت بشكل عام تكراراً لما سبقها من قرارات في السنوات الماضية ولم تتمكن القمة من استصدار قرارات سياسية عملية تعالج بشكل حقيقي الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية ومسألة تهويد القدس ومعاناة المقدسيين ودعم الصمود الفلسطيني في غزة والضفة الغربية ودعم الحق الفلسطيني في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ودعم المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي ومطالبة الإدارة الأميركية بتحديد جدول زمني للانسحاب من العراق ونبذ الطائفية بكل أشكالها في العراق ورفض الإرهاب وقتل المدنيين، ودعم الحل السلمي والحوار الوطني في لبنان على قاعدة رفض التدخل الإقليمي والدولي في لبنان وتقديم مبادرة واضحة وجلية لحل الأزمة اللبنانية.

في كل هذه المسائل التي ذكرت أعلاه وأخرى كدارفور والصومال لم نسمع من قادة الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي قبل أو أثناء القمة الإسلامية بداكار أو بعدها عن أي إعلان عن الدور الذي يمكن للمنظمة أو أمينها العام بشكل خاص أن يلعبه كوسيط نزيه ومحايد له من المصداقية والقبول ما يفتقده معظم إن لم نقل كل أمناء العامين في المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى.

مع ذلك وبكل موضوعية وتجرد نقول ان ما تم في داكار كان كافياً لنقول انه تمت ولادة منظمة المؤتمر الإسلامي الجديدة بعد عمل كبير وجهود أكبر من قبل أمينها العام الذي استحق التجديد لمدة خمس سنوات أخرى آملين أن تشهد المنظمة مزيدا من العمل والتطور لمصلحة العالم الإسلامي وأن تحقق المنظمة في السنوات القادمة ما لم يتم تحقيقه في السنوات المنصرمة.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com