العشرون من مارس 2003 كان العلامة الكبرى الثالثة ـ والأخيرة ـ في عمر عراق صدام. العلامة الكبرى الأولى كانت اعتداءه على إيران الخميني في عام 1980 الذي كان ايذانا بحرب شاملة تمددت على مساحة زمنية بلغت ثماني سنوات لتنتهي بالدولتين إلى تعادل تدميري.
والعلامة الثانية كانت اعتداءه على الكويت واحتلال أرضها بالكامل إلى أن أخرجت قواته بالقوة المسلحة بعد بضعة شهور.
الولايات المتحدة كانت حاضرة بقوة في المناسبات الثلاث. وعندما نستدعي الآن مشاهد هذا التاريخ القريب فإنه ينبغي أن يستبد بمشاعرنا الاندهاش من انسياق العرب للإرادة الأميركية في كل مشهد رغم تناقض المشاهد.
بغزوه إيران في مطلع الثمانينات والكويت في مطلع التسعينيات كان عراق صدام في الحالتين الطرف المعتدي. لكن بينما فرضت الولايات المتحدة على العرب تحت إدارة رونالد ريغان تأييد ودعم العراق في الحالة الإيرانية فإنها في الحالة الكويتية شكلت ائتلافاً عسكرياً مع الحكومات العربية ضد العراق في عهد إدارة جورج بوش الأب.
في كلتا الحالتين لم تكن واشنطن تناقض نفسها من منظور اعتبارات المصالح الاستراتيجية العليا.. فقد أرادت في الحالة الأولى القضاء على ثورة الخميني ونظامه الإسلامي الذي لم يكن عمره السياسي قد بلغ العامين، أما في الحالة الثانية فإن واشنطن تخوفت من أن الاحتلال العراقي للكويت جعل صدام حسين يتحكم تلقائيا في 15 في المئة من معدل الانتاج النفطي العالمي.
كان الجدير بالدول العربية ان تتخذ موقفاً حازماً ضد نظام صدام عندما شن عدوانه على إيران على غرار الموقف الذي اتخذته لاحقاً عندما غزا العراق الأرض الكويتية ظلما وعدوانا. ولو ووجه صدام بمثل هذا الموقف العربي الحازم فور تنفيذ مغامرته العسكرية العدوانية ضد إيران لبرما اضطر أولا إلى وضع نهاية سريعة للحرب..
وثانيا إلى التردد في شن عدوانه اللاحق على الكويت، لكن عوضا عن ذلك، ولتبرير مجاراتها للإرادة الأميركية الهادفة إلى كسر شوكة إيران الراديكالية، لم تكتف الحكومات العربية بدعم حرب صدام بل أطلقت عليه لقب «حارس البوابة الشرقية للوطن العربي».
وجاءت العلامة الكبرى الثالثة والأخيرة في مارس 2003 لتمثل اختباراً جديداً لاستقلالية الحكومات العربية. ومرة أخرى رسبت في الاختبار.
لم يكن الغزو الأميركي للعراق على يد إدارة جورج بوش الابن مبرراً بأي معيار من معايير الشرعية الدولية. ورغم أن المبررين اللذين تذرع بهما بوش ـ الادعاء بأن عراق صدام يمتلك أسلحة دمار شامل وأنه على علاقة عمل مع تنظيم «القاعدة» سقطا بعد فترة قصيرة من الغزو والاحتلال إلا أنه حتى أقوى حلفاء أميركا في الاتحاد الأوروبي شككوا في صحة الادعاء الأميركي قبل أن ينفذ الغزو.
ومع ذلك شاءت الحكومات العربية ان تمنح إدارة بوش غطاء عربياً للغزو، لم تشارك الحكومات مباشرة في العملية العسكرية لكنها ساهمت بدعم استخباراتي وتأييد سياسي غير معلن، وبعد: كما أدى الغزو الأميركي إلى تدمير شامل وماحق للعراق الشقيق فإنه أثبت ـ مرة أخرى ـ أننا أمة بلا إرادة استقلالية.