المعاندة التي أبداها الرئيس بوش في توصيفه لحربه العراقية، بمناسبة ذكراها الخامسة ، تندرج في واحدة من اثنتين: إما في خانة محاولة تسويق الوهم؛ أو في خانة الاستخفاف بعقول الناس. كلامه - المألوف بكل حال -، حول صوابية ومحاصيل ايجابية مزعومة لتلك الحرب يقدّم الواقع واقفاً على رأسه. وكأنه لم يتغير شيء في خطابه منذ بداية هذه المغامرة؛ المجبولة بالأخطاء والخطايا.
مع أن النتائج المفجعة تتحدث عن نفسها، في هذا الملف الداكن السواد. لا العين تخطئها ولا هي تحتاج إلى عمليات مسح وحسابات، لاستبيان خسائرها الفادحة والمتواصلة على كل صعيد وحتى إشعار آخر.
كلها، من البداية المفبركة إلى نقطتها الراهنة، المفتوحة على المزيد، تنطق بهذا الحكم عليها. وحده الرئيس، مع نائبه تشيني يصرّ على تقديم المشهد بالمقلوب.
بل يصرّ على إقناع العالم بمن فيه الغالبية الساحقة من الأميركيين بصحة تقييمه. ولا يثنيه عن ذلك بأن المسألة لا تحتمل اجتهادا؛ وأن الوقائع الكارثية مكشوفة على الأرض، لا تحتاج إلى قراءات وتحليلات.
فهو، في كلمته، أمس الأول بهذه المناسبة، يعود إلى الحديث بلغة التفاؤل جريا على المعتاد ومشدّدا مرة أخرى على صحة قرار الحرب. ولتسويق هذا الزعم ربط الحرب كالعادة بالمواجهة الدائرة مع الإرهاب على امتداد الساحة العالمية.
حتى الأميركيون، الذين يجذبهم الحديث عن هذه المواجهة، ما زالوا مشككين، بل رافضين، لتسويغاته الحربية العراقية. فهي تبدو لهم، أكثر فأكثر، كالعملة غير القابلة للصرف.
آخر استطلاع للرأي، كشف أن ثلثي الأميركيين يرون، خلافاً لرئيسهم، بأن حرب العراق لم يكن لها ما يبرر خوضها. حيثياتها هزيلة لا تستقيم مع تكلفتها البشرية والمادية. الرئيس لم يتوقف عند الرقم ولا عند موقف أصحابه.
على العكس، أفاض في الكلام عن «فضائل» حربه؛ وبكثير من الزهو والثقة بالنفس. بل شنّ ما يشبه الهجوم على خصومه المعترضين على الحرب والاستمرار فيها، من غير سقف. طبعاً تدمير العراق كبلد وشعب والخسائر الباهظة في الأرواح والأموال ما كان لها أن تستوقف الرئيس؛ ولا طبعاً نائبه تشيني الذي ذهب إلى أبعد بكثير مما ذهب إليه بوش في الإصرار على «صوابية» الحرب.
فهو عاد وبمكابرة لا تخلو من التحدّي إلى الذرائع الأولى للحرب لتعويمها والتشبث بها في زعمه أن الحرب التي خاضتها أميركا ،«لإقامة الديمقراطية ولزرع الاستقرار في العراق، كانت تجربة ناجحة».
وهو لأجل هذا الغرض «النبيل»؟ يعلن جهاراً، بأنه لا يهتم أبداً لما يراه أو يقوله الشعب الأميركي بخصوص هذه الحرب. هكذا وباستفزاز صريح لشعبه كما للعالم.
التمادي إلى هذا الحدّ في الإصرار والمعاندة من قبل دولة عظمى؛ في تصويرها لكارثة من صنع يديها على أنها فضيلة مسألة تدعو إلى القلق. بل إلى أكثر.
العالم كان ينتظر شيئاً من التواضع، في الاعتراف بالخطأ، إن لم يكن بالتراجع عنه. لكن لا يبدو أن لمثل ذلك مكانا في قاموس بوش - تشيني.
أيا كان الأمر فإنه لابد من الاعتراف بأنه قد آن أوان رحيل الاحتلال عن العراق.
