تحتفل الأمة الإسلامية اليوم بذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهي مناسبة تشكل فرصة للمسلمين لمراجعة الذات واستمداد المزايا النبيلة والصفات الحميدة التي كانت تتجسد في شخصه الشريف، والتي جعلت منه أخلاقًا تسير على الأرض ونورًا يهدي الغارقين في ظلمات الجهل، حيث تلك الأخلاق بما فيها من سمات السماحة وسعة الصدر والتواضع والرحمة والحلم وحب الخير، شملت جميع الناس من مسلمين وغير مسلمين، إذ أخذ عليه السلام يسمو بأخلاقه عن كل خلق، فكانت سماحته وسعة صدره تستوعبان الأخطاء البشرية، ولم يقتصر عفوه على ما يصدر من أخطاء في شخصه، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك كتسامحه مثلاً مع المرأة التي دست له السم، فقد طبق مبدأ التسامح تطبيقًا عمليًّا كان له أثره في التأثير على أنفس وعقول غير المسلمين وقلوبهم مما جعلهم يقتنعون بالإسلام ويعتنقونه طواعية ودون إكراه.

ومما لا شك فيه أن المبدأ الدعوي القائم على الحكمة والموعظة والتعقل والمنطق الذي أُمِرَ به ، صلى الله عليه وسلم ، ساهم في إبراز الصورة الناصعة لحقيقة الإسلام، في محاورته مع الآخرين بالحسنى واستمالتهم وتحبيبهم فيه.

وما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى هذا الخطاب كأسلوب من شأنه أن يخرس كل ناعق ويقنع كل متمنطق ومشكك، بعيدًا عن أساليب التشنج أو رد الفعل العنيف، مع أن اليوم تتوفر من الوسائل والأدوات لتفعيل هذا الخطاب ما لم تتوفر آنذاك، وقد جرى تعطيله واعتماد الأساليب العنيفة من قبل جماعات لم تفهم الإسلام على حقيقته والتي جرت كثيرًا من التبعات والاتهامات والمناكفات على المسلمين، لا يزال كثير من دول العالم الإسلامي تعاني من فرط ما حاق بها من ظلم الذين انطبعت في أذهانهم صور مغايرة تمامًا عن سماحة الإسلام وماهيته، كدين يدعو إلى السلام والأمان واحترام حقوق الإنسان من حق الحياة والمساواة والحرية والتملك والتعلم وغيرها من الحقوق، إذ جاء من الأحكام والتشريعات ما يكفل حماية تلك الحقوق، بل اعتبر أي اعتداء عليها جرمًا يعرض مرتكبه نفسه للعقاب؛ ومن ذلك نجده مثلاً أن شرع العقوبات حول جرائم القتل والسرقة والاغتصاب والقذف ، منعًا للاعتداء على حقوق الآخرين.

وعند الرجوع إلى البدايات الأولى لبزوغ شعاع الإسلام وما تعرض له المسلمون من اضطهاد وأذى بلغ أن حوصروا ومنعوا من الأكل ومنهم من تمشط أجسادهم، حتى أذن الله لرسوله بأن يهاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، نجد أن حكمته وسياسته الفذة في التعامل مع التنوع الديني والطائفي في يثرب بتوطيد العلاقات بين ذلك التنوع، مكنته من إقامة دعائم الدولة الإسلامية، وهناك استطاع أن يقيم موازين العدل والمساواة بين الناس وإنصافهم بما يتنزل عليه من أحكام وتشريع إلهي، وبعد أن تمكن من العودة إلى مكة المكرمة فاتحًا، برزت مظاهر تأكيد أنه رحمة للعالمين في تعامله مع أهل قريش الذين آذوه وطردوه من مسقط رأسه ودار آبائه وأجداده، قائلاً لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

إن فضل البعثة المحمدية على الجزيرة العربية، ومن ثم على العالم، كبير حيث كانت تسود مظاهر الظلم والفساد والفوضى وكانت المبادئ والقوانين التي تحكم علاقات الناس تقوم على الأهواء، ترتب عليها شيوع القتل والثأر والاغتصاب، فكان لا بد لها من قائد يسير بها إلى بر الأمان ويهديها سواء السبيل وينتشلها من الجور والحيف إلى العدل والقسط، ومن الظلمات إلى النور، وكان هذا القائد هو رسول الرحمة الذي كانت المبادئ التي جاء بها وحيًا من عند الله هي التي وضحت للناس المنهج القويم والطريق السليم، فقد ألغى مظاهر الثأر والقتل والسرقة وساوى بين الناس دون فروق بين ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم إلا بمقدار ما يملكونه من تقوى، وساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وجعلت هذه الأمور من دولته عليه السلام دولة راسخة الدعائم قوية الأركان ، فأخذ كل فرد فيها يتمتع بحقوقه ويؤدي ما عليه من واجبات ، ويبذل قصارى جهده في سبيل الرقي بمجتمعه ودولته.

إن هذا التاريخ النبوي المفعم بمشاعر الإنسانية والعدالة سيظل نبراسًا لمن أراد أن يستهدي به، كما أنه دواء شاف لكل نفس مريضة تريد أن تنتقص من قيمة الإسلام ورسوله الكريم.

أعاد الله هذه المناسبة الكريمة على حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بالصحة والعافية وعلى الشعب العماني والأمتين العربية والإسلامية بالخير واليمن والبركات.