لم تكد تنتهي المرحلة الأولى من الحرب الإسرائيلية المجنونة على قطاع غزة حتى انطلقت العديد من الأصوات من داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية، التي اعتبرت أن نتائج العملية لم تكن مرضية على الإطلاق، في الوقت الذي تواصل فيه سقوط الصواريخ الفلسطينية بمعدل (40-50) صاروخاً في اليوم الواحد، في الوقت الذي استخدمت فيه قوى المقاومة الفلسطينية تكتيكات فدائية جديدة استخلصتها من تجاربها الميدانية، مع تطور جدوى وتأثير منظومة صواريخ المقاومة، فيما كانت غالبية الإصابات الفلسطينية في صفوف المدنيين خصوصاً منهم الأطفال والرضع.

وعليه، فالجدل الشديد في إسرائيل يدور الآن حول ضرورة (جدوى ـ أو عدم جدوى) تنفيذ عملية أو عدوان عسكري لاحق يستتبع العملية الأخيرة التي تمت ضد قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ من هناك باتجاه المستعمرات والتجمعات الإسرائيلية المحيطة.

حيث تبدو ثمة أغلبية كبيرة في صفوف النخبة السياسية والعسكرية تؤيد هذه العملية بوصفها الأسلوب الأمثل لوقف إطلاق الصواريخ وضربة قوية للمقاومة الفلسطينية ستؤثر على جهوزيتها لفترة طويلة قادمة، مقابل أقلية صغيرة ولكنها متنفذة تطالب بالتفكر وإبداء الحذر وطرح الأسئلة مع عدم الرفض المبدئي للفكرة.

وأخيراً أقلية صغيرة جداً وما زالت هامشية بقيادة عضو الكنيست يوسي بيلين، التي تشير إلى أنه ليس هناك حل عسكري سحري بالنسبة لمعضلة الصواريخ الفلسطينية، منذ إطلاق صاروخ القسام الأول في ابريل 2001، مع تحوله إلى صاروخ غراد مداه (20 كم).

كما تعتبر أن ليس من حل سوى التفاوض مع حركة حماس (بشكل غير مباشر) من أجل التوصل إلى هدنة أو وقف إطلاق النار ما يؤدي إلى الهدوء ووقف سقوط الصواريخ على المستعمرات، موضحة ومفصحة بالقول إن إسرائيل تجري مع حركة حماس مفاوضات غير مباشرة حول إطلاق الأسير العسكري الإسرائيلي جلعاد شليت.

كما أنها تلقت رسائل من طرف ثالث حول استعدادية حركة حماس للبحث في وقف إطلاق النار، وعليه فان الأقلية الصغيرة المشار إليها تقر بأن «لا مفر من التفاوض مع حركة حماس» وعلى حد تعبير أحد الكتاب الإسرائيليين صفحات يديعوت أحرونوت ومن أنصار الأقلية الأخيرة «ليس بإمكاننا أن نختار أعداءنا ونحددهم».

ومع أن الأذرع الأمنية الإسرائيلية التي باتت تقر بشكل أو بآخر بفشل الخيارات العسكرية الإسرائيلية تجاه الموضوع الفلسطيني، اندفعت لتأييد الحسم الناري مع الفلسطينيين، لكنها منذ مدة وقبل عملية غزة الأخيرة، باتت تدعو للتفكير باستنباط الطرق الكفيلة لإيجاد حلول ناجعة مع مسألة الصواريخ الفلسطينية،

كما صواريخ حزب الله، وليس أدل على ذلك من قرار تطوير منظومة «قبة الحديد» الذي جاء في أعقاب حرب يوليو 2006 التي ادعت إسرائيل في أثنائها أنها دمرت الجزء الأكبر من منظومة صواريخ المقاومة اللبنانية، حيث تعمل المنظومة المشار إليها وفق مبدأ (صاروخ ضد الصواريخ) أي إصابة (رأس برأس)باعتبارها منظومة ملائمة مع صواريخ قصيرة المدى مثل الكاتيوشا والقسام.

وقد أسند إلى (سلطة تطوير الوسائل القتالية) الإسرائيلية المعروفة باسم (رفائيل) والتي تنتج صواريخ (جو ـ جو) وصواريخ (أرض ـ جو) تطوير نظام «القبة الحديدة» التي تستند إلى وسيلة إسقاط مميزة وزهيدة الثمن يمكنها برأي مطوريها أن تقدم حلاً ناجعاً لموضوع الصواريخ الفلسطينية.

ووفق المصادر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، فان هذه المنظومة ستكون جاهزة للتجربة التنفيذية بعد فترة ليست ببعيدة، لكن من المتوقع وفق التقديرات الإسرائيلية ذاتها، أن نسبة الدقة في نظام الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية ستكون بعد استكمال تطوير المنظومة ونصبها (80%) في أقصى الأحوال، أي أن صاروخاً من كل خمسة صواريخ سيتمكن من النفاذ، وهذا الخطر سيزداد إذا كانت الصواريخ كيماوية أو بيولوجية. وبتكلفة مالية لكل صاروخ قد تصل إلى (30-40) ألف دولار، ومن هذا المنطلق فان (حمائم مجموعة يوسي بيلين) يكررون القول إن أفضل تطوير لمنظومة مضادة للصواريخ هي الوسائل السياسية فقط دون غيرها.

وقبل أن تحظى بعقد لتطوير منظومة «القبة الحديدية» (كانت سلطة تطوير الوسائل القتالية الإسرائيلية) وبالتعاون مع الشركة الأميركية «رايتون» قد اختيرت أيضا تطوير منظومة «مقلاع داود» التي كان يفترض بها أن تسقط صواريخ بمدى متوسط من نوع (فجر وزلزال) استخدمتها المقاومة اللبنانية أثناء حرب يوليو 2006.

وبالتوازي مع تطور الصاروخ (حيتس 3) وهو طراز متقدم من الصاروخ ضد الصواريخ الذي أنتجته الدولة الصهيونية لحمايتها من صواريخ قد تصل من إيران وسوريا، وذلك في إطار خطة التسلح الجديدة للجيش الإسرائيلي والتي اتفق عليها قبل بضعة أسابيع.

حيث تقدر بعض المصادر أن باستطاعة الصاروخ (حيتس3) تدمير أي صاروخ قادم على ارتفاع نحو (50 كم ومدى نحو 90 كم) ولكن عندما يكون التهديد غير تقليدي، فان هذا ليس كافيا.

كاتب فلسطيني - دمشق