إن حياة دولة الإمارات في روحها، وهذه الروح موجودة في اللغة العربية باعتبارها وعاء القيم والتقاليد والمفاهيم العربية التي تمثل هوية الأمة الاتحادية وتكوينها الحضاري، وباعتبارها اللغة التي يتحدث ويفكر بها الناس في بلادنا، وباعتبارها لغة القرآن الكريم.
وفي ظني أن أي قرار حكومي هو مجرد خطوة لإعادة الاعتبار للغة العربية، لابد أن يصاحبها مشروع متكامل لاستعادة اللغة العربية على كل المستويات التعليمية والإعلامية، ويلزم أن يصاحب هذا حملات توعية للمواطنين لتبصيرهم بعراقة لغتهم الأصلية وتاريخها المجيد في الحضارة والعلوم والفلسفة والثقافة، وبيان فضلها على لغات العالم، فإعادة استخدام اللغة العربية في الدوائر الحكومية والهيئات الاتحادية، كرد فعل على ما تشهده ساحة الإمارات من انحسار استخدام اللغة العربية لحساب اللغة الإنجليزية، حيث تقبل المؤسسات الرسمية والرسائل والوثائق المختلفة باللغة الأجنبية، وخاصة اللغة الإنجليزية.
وقد ظهر التأثير السلبي لاستخدام اللغة الإنجليزية على الجيل الجديد من المواطنين، خاصة وأن كثيراً من أبناء المدارس الخاصة في الدولة تحوّل لتصبح اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى في استخداماتهم اليومية والحياتية المختلفة.
ولاشك أن تدخل الحكومة الاتحادية ليس مجرد تحصيل حاصل، بل هو نابع من شعور بالخطر على مصير اللغة العربية في دولة عربية، ولذا فإن قرار مجلس الوزراء جاء في محله لإعادة الاعتبار للغة العربية في المؤسسات والوزارات الحكومية فضلاً عن الحفاظ على اللغة العربية في التخاطب اليومي للوقاية من التأثيرات السلبية على التركيبة السكانية في وطن تتعايش فيه مئات اللغات والجنسيات.
وبات المواطنون الأصليون يشكلون أقل من «20» من مجموع السكان في الدولة، حيث عدد السكان في الإمارات يزيد على 4 ملايين نسمة، يشكل الوافدون منهم أكثر من 80% من عدد السكان، فيما يمثل السكان الأصليون أقلية. وتحولت اللغة الانجليزية إلى لغة التخاطب الرئيسية لكثير من القطاعات،
خاصة المؤسسات الخاصة والجامعات الوطنية، رغم أن الدستور الإماراتي يشير إلى أن الدولة عربية والمادة 7 من الدستور الاتحادي تنص على عروبة الدولة وأن اللغة العربية هي الأولى، الا أن الواقع الإماراتي يشير إلى أن اللغة الانجليزية هي اللغة الأولى في البلاد!!.
وجاء تدخل السلطة الاتحادية لصالح اللغة العربية، بعد أن تراجع استخدام اللغة العربية داخل أراضيها، لتصبح في المرتبة الرابعة بين اللغات العشر المستخدمة في الدولة.
وهكذا فإن تدخل الوزارة الجديدة برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كان تدخلاً منتظراً ومتوقعاً، لما نعرف عن سموه من انتماء أصيل للهوية الثقافية العربية، فهو فارس عربي يذود عن وطنه وأمته، يذود عن تاريخها وماهيتها، ويحافظ على أصالتها وعراقتها.
وإذا تخلينا عن هذه اللغة فذلك، معناه أننا نريد التخلص من روحنا وهويتنا، معناه أننا نريد أن نتخلص من أهم مميزات حضارتنا، مما يعني الانتحار الحضاري بكل معنى الكلمة، وهذا الانتحار لصالح حضارة أجنبية أخرى تنظر إلينا باعتبارنا غير جديرين بالثقة!.
والخطوة الثانية المنتظرة من الحكومة الاتحادية هي التعجيل بإصدار قانون اتحادي لحماية اللغة العربية، ويعمم استعمالها على إمارات الدولة السبع، من أبوظبي إلى الفجيرة وعلى كافة المستويات: الشركات الحكومية والمؤسسات المالية والمصرفية والمؤسسات الأكاديمية ووسائل الإعلام، وفي كافة التعاملات اليومية.
ونحن نتطلع أن يشمل تعميم اللغة في مجال القطاع الخاص، كما نتطلع أن تتخذ الدول الخليجية كلها، أقصد دول مجلس التعاون الخليجي، كلها نفس الخطوة. ويمكن في هذا الإطار اشتراط عدم تجديد عقد العمال إلا بعد اجتيازه لاختبار في القراءة والكتابة باللغة العربية تجنباً لبعض المواقف المحرجة وخصوصاً عندما يكتب على لافتات الشوارع بدل أبوظبي «أبودابي» ودبي «دوبي».
وهذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى عودة الهيبة للغة العربية على مستوى العالم؛ فكل من يرغب في العمل بدول الخليج سوف يحاول تعلم اللغة العربية في بلده الأصلي رغبة منه في العمل بدول الخليج. ويمكن أن تتدعم هذه الخطوة بخطوة أخرى هي عدم قبول مراسلات الشركات الأجنبية أو عقود التعامل معها باللغة الأجنبية فقط، ومن إلزامها باحترام اللغة الوطنية في تعاملاتها مع الإدارات الحكومية.
ولعل الخطوة الأهم هي استخدام الإعلام للغة العربية، فالإعلام هو الأكثر تأثيراً على المواطنين، ومن ثم يجب وضع سياسة عامة تلزم وسائل الإعلام باستعمال اللغة العربية استعمالاً جيداً على نطاق واسع، وإلزام المحررين والمعدين والمذيعين بحضور دورات في اللغة العربية.
ولا معنى لذلك كله بدون الاهتمام باللغة العربية في قطاع التربية والتعليم بكل مستوياته. الحضانة، الابتدائي، الإعدادي، الثانوي، الجامعي، ولابد من إصلاح مناهج وطرق تعليم اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة.
وينبغي أن يعبر التعليم عن هويتنا ويرتبط بلغتنا الأصلية وقيمنا الحضارية، ويشكل المنظومة اللغوية والمعرفية والفكرية والثقافية التي تقوم عليها أجيال الشباب الصاعد باعتباره مستقبل الأمة الاتحادية،
فكيف ننقل إلى كوادر وقيادات المستقبل لغة ومنظومة تختلف عن لغتنا ومنظومتنا، أليس الجيل الحامل للغة الانجليزية والثقافة الغربية والمنقطع عن اللغة العربية وثقافتها يمثل خطورة حقيقية على مستقبل وطننا؟ ألن يكون انتماؤه للغرب كلية لأنه يتكلم بلغته ويفكر بطريقته ويحمل قيمه في الفكر والسلوك والعمل؟ وهي قيم مرتبطة بلا شك باللغة، فاللغة صورة الفكر، ولا يمكن أن تنعزل عنه.
ويدخل أيضا في هذا الإطار، أعني استعادة الهوية، ضرورة التفكير في الوضع الطاغي للأساتذة الأجانب في الجامعات الإماراتية وإعادة النظر في تدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية بلغة غير لغة الأم، خاصة وان الأساتذة الأجانب يسخرون من تقاليدنا الاجتماعية ومن ثقافتنا العربية، ويشككون فيها تشكيكاً كبيراً، كما يشككون في معتقداتنا الدينية.
وهذا له خطورة بالغة على أبنائنا الذين يتعلمون على أيديهم، إذ يتخرجون وهم مزعزعي الثقة في مرجعيتنا الحضارية وتقاليدنا الاجتماعية، وسوف يشعرون بالدونية تجاه كل ما هو غربي، وإذا ما تولى بعضهم مواقع قيادية في أي مؤسسة فإنه سوف يتأثر في اتخاذ القرارات ورسم السياسات بالمنظومة اللغوية الفكرية الغربية التي تعلم وفقاً لها، ومن ثم يكون عجينة طرية في يد الغرب!
ومن أخطر ما يتعرض له الطالب الإماراتي نتيجة طغيان الانجليزية، ليس فقط فقدان الثقة في كل ما هو إماراتي أو عربي، بل أيضاً فقدانه الثقة في نفسه؛
نتيجة الشعور بالدونية تجاه اللغة الانجليزية، ومن ناحية أخرى نتيجة تضخم الذات عند الأساتذة الأجانب، ونتيجة الاستراتيجية التعليمية التي ينفذونها من أجل تأكيد التفوق الغربي في عقول أبنائنا ومن ثم الدخول بهم في حالة من الانهزام اللغوي الفكري والثقافي أمام الغرب، وإقناعهم بالعجز أمامه. وهذه ضربة حقيقية لمشروعنا في التقدم الحضاري، فالانهزام اللغوي والفكري والثقافي والشعور به معناه نشر حالة من الإحباط، وتكريس البقية، وبث حالة من الشعور باليأس تجاه التفوق الغربي!
لكل هذا يا أفاضل ينبغي استعادة اللغة العربية ليس بقرار حكومي فقط، بل بمشروع وطني متكامل، حتى لا نكون معدومي الثقة في أنفسنا وفي قيمنا وفي حضارتنا وفي رموزنا وفي لغتنا التي تعد الرمز لهويتنا الحضارية!
جامعة الإمارات