لم يكن من المستغرب أن يأتي المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، السناتور جون ماكين، إلى إسرائيل؛ وبما يشبه الآتي لطلب دعمها في حملته الانتخابية. الطامعون بالبيت الأبيض، اعتادوا التملق لليهود الأميركيين، طمعاً بأصواتهم؛ من خلال التودد لإسرائيل. بل غالباً، ما كان يحصل ـ وسيحصل في هذه الانتخابات ـ نوع من التزاحم والتسابق بين المتنافسين؛ لكسب هذا الودّ.

ومع الوقت تحوّلت هذه الممارسة، التي لا تخلو من الرّخص؛ إلى شيء من الارتهان، لإسرائيل وسياساتها؛ عبر الوعود وتقديم الالتزامات المسبقة؛ التي لا يحيد عنها، عادة، الفائز بالرئاسة.

ماكين، انضم إلى من سبقوه في هذا المجال وأشهر ورقة القدس، معلناً تأييده الصريح، لتكون «عاصمة إسرائيل». هكذا من دون لبس أو غموض. وقد تعمّد تفجير قنبلته هذه، قبل أن تهبط طائرته في تل أبيب.

ومثل هذا الموقف ينطوي على استعداد ـ وربما على وعد ـ بنقل السفارة الأميركية، من تل أبيب إلى القدس. والمعروف أن هناك قانونا، صوّت عليه الكونغرس ونال توقيع الرئيس، بالنقل؛ والتنفيذ يجري تأجيله كل ستة أشهر. ولم يكتف السناتور بهذه الدرجة من الارتماء في حضن إسرائيل، بل أضاف إليه رفضه زيارة رام الله أو لقاء أي مسؤول فلسطيني.

ربما هو أراد أن لا يبدو أقل سخاء في انحيازه، من المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي قضت ثلاثة أيام في إسرائيل؛ والتي لم يسعفها جنوحها الإسرائيلي، من القيام بمثل هذه الزيارة؛ ولو من باب رفع العتب أو المجاملة. لا وقت لديه، الآن، للفلسطينيين وللعرب.

المهم، في اللحظة الراهنة، أن يحظى ببركة إسرائيل؛ واستطراداً بميل وازن نحوه، في صفوف الكتلة الانتخابية اليهودية الأميركية. علماً بأن الثقل اليهودي، يصب، تقليدياً، لصالح المرشح الديمقراطي. مع ذلك لم يجد ماكين غضاضة، في الإدلاء بدلوه طالما أن بازار الانتخابات مفتوح على خطب ود إسرائيل.

ولم يجد أي إحراج في الجمع بين تأييده واستعداده للاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل؛ وبين وعده بجعل «عملية السلام أولوية قصوى» له. طبعاً هو يقصد السلام المفصّل على القياسات الإسرائيلية والذي تحدّده تل أبيب.

الطامع الجمهوري بالمكتب البيضاوي،يطمع أيضاً بشهادة حسن سلوك من إسرائيل عملاً بالقاعدة المألوفة وأكثر، في الموسم الانتخابي. قد ينال هذه الشهادة وقد لا.

لكن المؤكّد أنه سجّل عليه الارتهان. والمؤكّد الآخر، هو أن مثل هذا الارتهان يكاد أن يصير، إذا لم يكن قد صار، لطخة لا تليق بالعملية الانتخابية، في بلد عريق بديمقراطيته، مثل الولايات المتحدة الأميركية. ولا بالتأكيد تليق بمن هو مرشح ليشغل منصب الرئاسة فيه.

يعكس ذلك حقيقة، تبدو واضحة وهي أن السياسة وحساباتها ـ مهما كانت رخيصة ـ في أميركا؛ باتت تتقدّم على غيرها من القيم والاعتبارات كافة. الأمر الذي لم يعد يستقيم معه حديث ماكين عن السلام.