على الرغم من الإجراءات التي تتخذها الإمارات لحماية العمالة وضمان حقوقها، وعلى الرغم من تعاون الشركات الخاصة وتأديتها التزاماتها تجاه العمالة، إلا أننا أصبحنا نشعر يوماً بعد يوم أن هذه العمالة بدأت تستغل إجراءات وضعت للحفاظ على مصالحها لتستخدمها في المقابل ضد مصالح الدولة، وأصبحنا نخشى وجود أيد خفية وراء هذه الإضرابات التي باتت تأخذ منحنى خطراً.
لا نبالغ فيما نقوله، فالإضراب الذي شهدته الشارقة يوم الثلاثاء الماضي خير دليل على ذلك، إذ أضرب ألف وخمسمئة عامل، تابعون لإحدى الشركات المتخصصة في أعمال الصيانة الكهربائية والصرف الصحي.
وقاموا بأعمال تخريبية داخل مقر سكنهم الواقع في المنطقة، أتلفوا فيها وثائق مكتبية، وكسروا واجهات، وأحرقوا طابقاً من مبنى الإدارة وخمس سيارات، وأتلفوا أربعين سيارة أخرى وثمانية وعشرين حافلة تابعة للشركة التي يعملون لديها. ولم يكتفوا بذلك كله بل عمدوا إلى الاعتداء على أفراد الشرطة ومسؤولي وزارة العمل المتواجدين في الموقع منذ تلقي بلاغ الإضراب.
من يقرأ الخبر يتصور أن ذلك مشهد في فيلم سينمائي، لكن الحقيقة تقول إن ذلك مشهد حقيقي وفي دولة الإمارات التي أصبحت العمالة فيها أداة للتخريب وليس للبناء كما عرفت منذ قيام الدولة، ولأسباب لا يجرؤ أي مواطن في الدولة على إثرها القيام بقليل مما يقومون به، لأن المواطنين يدركون أن مطالبات كهذه لابد وأن تمر عبر قنوات قانونية، بعيداً عن الغوغائية والأساليب الهمجية التي عمد إليها العمال حتى قبل البت في موضوعهم، والنظر في مطالباتهم.
العمال المضربون عينوا منذ أسبوعين ممثلاً لهم لدى مكتب العمل والعمال لنقل مطالبهم المتمثلة أساساً في زيادة الرواتب. لكنهم لم ينتظروا الرد عليهم بل حرضوا وخربوا ولم يضعوا اعتباراً لا لدولة يقيمون فيها، ولا لقانون يحميهم، ولا لسلطات أمنية سعت لحفظ حقوقهم وحل مشكلاتهم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: لماذا لم يقم العمال قبل سنوات بإضرابات كهذه الإضرابات التي اعتبرها أحد الدبلوماسيين في حديثه يوم أمس لوكالة الأنباء الفرنسية بأنها الأسوأ في الخليج؟
ولماذا تصمت منظمات وجماعات الذود والدفاع عن حقوق العمال عن هذه الانتهاكات التي لا يقبل بها أي مجتمع مدني ينظم شؤونه قانون لا ينبغي تجاوزه لأي سبب من الأسباب، وإن حدث ذلك فأشد العقوبات ستكون بانتظاره؟ وأين السفارات والقنصليات المسؤولة عن هذه الجاليات والتي تعلن استنكارها وتحفظها واستياءها ومطالباتها بحقوق عمالتها في حال تعرض أي منهم لما يهضم حقاً من حقوقه؟
إن استمرار الإضرابات العمالية بهذا الشكل العنيف الذي بات يشكل خطراً يهدد أمننا القومي، يجعلنا نأمل على السلطات المعنية أن لا تتهاون في تنفيذ أي أحكام وعقوبات على عمالة تمادت وتجاوزت حدودها، فإذا كانوا قد أضربوا اليوم وخربوا، فما الذي يضمن ألا يكون القتل والإبادة أسلوباً لهم في المستقبل؟
الشركات رغم أنها زادت رواتب العمال منذ شهرين، إلا أنها تضررت مادياً ومعنوياً، لذا لا ينبغي الضغط عليها ومطالبتها برفع رواتبهم طالما أن ذلك هو سعر السوق، وعليها أن لا تخضع لمطالبات أساءت للدولة قبل أن تسيء إليها كشركة ألحق بها الضرر جراء ذلك كله. لسنا مع سياسة القمع والاضطهاد مطلقاً، لكن العمالة في الدولة يبدو أنها وصلت للدرجة التي لم نعد نطيق صبراً أو احتمالاً عليها، خاصة بعد أن تحولوا إلى ظالمين بدل مظلومين.
