قدمت الحكومة الكويتية استقالتها امس بعد اقل من عام علي تشكيلها بسبب صعوبة تعاملها مع مجلس الامة (البرلمان) وعجزها عن تمرير قوانين اصلاحية تتعلق في معظمها بالشؤون الاقتصادية وفتح مجالات اوسع للاستثمار وتشجيع رؤوس الاموال الاجنبية والعربية علي دخول الاسواق الكويتية.
الشيخ صباح الاحمد الصباح قطع زيارته الخاصة الي المغرب وعاد الي البلاد لادارة الازمة السياسية المتفاقمة عن قرب، وبات معظم المراقبين يتوقع اقدامه علي اصدار مرسوم دستوري بحل مجلس الامة والدعوة الي انتخابات نيابية عامة في غضون شهرين علي اكثر تقدير.
العلاقة بين الحكومات الكويتية المتعاقبة ومجلس النواب كانت دائما صعبة، وآفاق التعاون مسدودة بالكامل، وباتت طلبات استجواب الوزراء من قبل كتل برلمانية الشغل الشاغل للاوساط السياسية في البلاد. وفشلت معظم التعديلات الوزارية التي ادخلت علي هذه الحكومات في اصلاح الوضع، فالحكومة السابقة استقالت لتجنب سحب الثقة من وزير الصحة، والحكومة الحالية ما زالت دون وزير نفط منذ استقالة بدر الحميضي بعد ايام من تعيينه في هذا المنصب بسبب الهجوم عليه من قبل نواب في البرلمان.
القشة التي كسرت ظهر الحكومة، وفجرت الازمة الحالية جاءت من خلال مطالبات النواب بزيادة ثانية لاجور الموظفين في القطاع العام الذين يشكلون حوالي تسعين في المئة من مجموع العاملين الكويتيين، وهي مطالبات رفضتها الحكومة.
النواب المطالبون بهذه الزيادة استطاعوا ان يحققوا مكاسب كبيرة في اوساط المواطنين الكويتيين الذين يعانون من غلاء المعيشة، ويرون مداخيل البلاد من عوائد النفط تتضاعف بسبب ارتفاع اسعار البترول وتخطيها حاجز المئة دولار.
الحكومة تحاول تغطية نفسها في مواجهة هذه المطالب الشعبية بالقول ان المجلس يعطل الاصلاحات الضرورية لتحريك العجلة الاقتصادية بشكل اسرع، ومن ابرزها تخفيض الضرائب علي الشركات الاجنبية لتشجيعها علي دخول سوق الاستثمار في الكويت، والسماح للعرب والاجانب بتملك الاسهم والسندات، وخصخصة شركة الخطوط الجوية الكويتية التي تعاني من خسائر كبيرة بسبب البيروقراطية وسوء الادارة.
حل مجلس الامة اذا ما تم ربما يشعل فتيل المواجهة بين الاسرة الحاكمة وبعض الكتل البرلمانية، خاصة ان البلاد تعيش حالة من الاحتقان السياسي غير المسبوق بسبب التوتر الطائفي المتفاقم بين السنة والشيعة علي خلفية المضايقات التي تعرض لها ابناء الطائفة الشيعية بسبب حفل تأبين، اقامه بعض النواب والشخصيات البارزة بمناسبة اغتيال عماد مغنية قائد الجناح العسكري لحزب الله اللبناني.
الصحافة الكويتية، والتي تمثل الاسرة الحاكمة والطائفة السنية علي وجه الخصوص، ظلت طوال الاسابيع الثلاثة الماضية تشن حملات مكثفة ضد بعض النواب الشيعة المشاركين في التأبين وتطالب بسحب الجنسية الكويتية منهم وابعادهم عن البلاد، لان الراحل مغنية كان من ابرز المتهمين بمحاولة تفجير موكب الامير الراحل جابر الاحمد اثناء محاولة اغتيال فاشلة في مطلع الثمانينات، واختطاف طائرة الجابرية الكويتية الي قبرص وقتل اثنين من ركابها.
حل البرلمان اذا ما تم ربما يكون من اسبابه ايضا رفع الحصانة عن النائبين الشيعيين عدنان وعبد الصمد وأحمد لاري وتقديمهما الي المحاكمة بتهمة عدم الولاء للبلاد والمشاركة في تأبين شخص تعتبره الكويت ارهابيا ومن اكثر المطلوبين لمحاكمها. فهذه الحصانة النيابية تسقط بمجرد حل البرلمان.
الازمات ليست جديدة علي الكويت، وحل البرلمان الحالي ليس سابقة، فقد تم حل برلمانات كثيرة في السابق، ولكن التوقيت هذه المرة ربما يكون علي درجة كبيرة من الاهمية، فمنطقة الخليج كلها باتت علي كف عفريت، واحتمالات تعرض الكويت لصدامات طائفية اصبحت كبيرة في ظل الاحتقان الحالي، وتدهور العلاقات مع ايران، وتصاعد الازمة الطائفية في العراق.
