مشكلة النخب السياسية العربية في التعامل إيجابا مع مفهوم المقاومة كأداة لرفع الظلم عن كاهلهم في الكثير من القضايا التي يحتلون فيها موقع الضحية منذ ظهور أول قطرة من الذهب الأسود في المنطقة وانفتاح شهية الغرب لجهة الاستحواذ على هذه الثروة الهائلة تكمن في سوء اختيار الأدوات الملائمة للتعامل مع حزمة من المشكلات الكبرى التي وجدوا أنفسهم في مواجهتها عقب تشكل النظام العالمي الذي خلفته الحرب العالمية الثانية والقائم على مبدأ المركز الرأسمالي والأطراف التي تحيط به .

وتخدم عليه وتدور في فلكه وتضمن له مقومات الاستمرار في الوجود. ما لم يطرأ تغيير جوهري على صعيد ذلك المركز على قاعدة التطور الطبيعي لأي تشكيلة اجتماعية ـ اقتصادية عرفها تاريخ الإنسان والتي تنشأ وتطور وترتقي في خط بياني متصاعد وصولا إلى قمة الهرم لتبدأ بعد ذلك مسيرة عكسية باتجاه الهبوط والانحطاط إلى أن تتلاشى مفسحة في المجال أمام ظهور تشكيلة اجتماعية أخرى جديدة تنسجم وواقع اجتماعي ـ اقتصادي جديد يعكس مصالح قوى جديدة تفرض نفسها بالقوة مجددا.

وهذا ما يلقي على كل طرف من الأطراف المحيطة بالمركز الاحتكاري مسؤولية خاصة في تقصير عمر المارد الرأسمالي المسيطر على العالم ومقدراته منذ عقود من الزمن، لكن الدور التاريخي الذي يتعين على هذه الأطراف أن تلعبه لا يتساوى في جميع الحالات وذلك تبعا لقوة تمركز الهجمة الرأسمالية في شتى بقاع الأرض، وهنا تبرز منطقة الشرق الأوسط كقوة ضاربة في تعجيل رفع القبضة الحديدية لهذا المارد العملاق عن رقاب شعوب العالم عموما وشعوب العالم العربي على وجه الخصوص.

بما أن الدولة العبرية تشكل رأس حربة النظام الرأسمالي العالمي بحكم قربها من أهم منابع النفط في العالم، فإن الحارس الأول للتشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية الرأسمالية ممثلا بالإدارات الأميركية المتعاقبة أولى اهتماما خاصا بها ورعاها وجعل منها قلعته المتقدمة الأولى في العالم وزودها بترسانة عسكرية لا تنسجم بالمطلق مع حجمها من الناحيتين الجغرافية والسكانية على حد سواء، وذلك ليس لمواجهة ما يمكن أن ينشأ، في المرحلة الراهنة، من قوى محلية مناهضة لمشروع الهيمنة الرأسمالية هذا، وإنما تحسبا لمواجهات وحروب أشد وطأة لم يحن أوانها بعد.

وبالتالي، فإن الوقت هو العامل الأهم بصورة مطلقة في كل المعادلة الرأسمالية هذه والحلف الصهيو ـ أميركي يحاول جاهدا كسب معركة الوقت هذه بالنقاط وليس بالضربة القاضية التي لا يملك سبل تحقيقها أصلا، وفي هذا الإطار بالذات تندرج كل ما يسمى بمشاريع تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أي في إطار كسب الوقت ليس إلا وإطالة عمر الهيمنة الأميركية على ثروات المنطقة.

ومن هنا تأتي ضرورة عدم وضع كل البيض العربي في سلة ما أطلق عليه خيار السلام الإستراتيجي خصوصا بعد أن أصبح جليا أن جميع مشاريع التسوية ومبادراتها ومساعيها قد ذهبت أدراج الرياح الصهيو ـ أميركية.

وإلا ما الذي يفسر فشل كل هذا الزخم من المبادرات والمؤتمرات والمفاوضات والاقتراحات والوساطات؟ ففي هذه اللحظة بالذات وبعض الفصل الأخير من المفاوضات الذي شهدته أروقة مؤتمر أنابوليس للسلام ومن قبله عشرات إن لم يكن مئات المحاولات المماثلة التي باءت إلى فشل ذريع حتى قبل أن تولد في كثير من الحالات، هناك العديد من التحركات الكبرى التي تتصدرها الدعوة الروسية لعقد مؤتمر لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي في موسكو.

وهناك دعوة ألمانية مماثلة لعقد مؤتمر مماثل في برلين، فضلا عن الوجود الدائم لممثلي الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم في المنطقة وزيارات مسؤوليها المكوكية إلى المنطقة، بالإضافة إلى طوني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بتطبيق اتفاقية أوسلو التي أصبحت في عداد الأموات بدورها.

اللافت للانتباه هو ما بات متفق على تسميته المبادرة العربية للسلام التي على الرغم من كل عيوبها التطبيعية وتجاهلها لجانب أساسي من الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، إلا أن أحدا لم يعرها أي اهتمام يذكر خارج الأطر العربية الرسمية نفسها وفي مقدمتها جامعة الدول العربية التي يبدو أن الملل من طرح تلك المبادرة بصورة أحادية قد نال منها.

مما دفع أمينها العام إلى التلميح بنعيها نهائيا. لكننا نتساءل: ما الشيء الحي الذي يريد عمر موسى نعيه؟ ألم يتضح له ولنظرائه من المسؤولين العرب أنها مبادرة ولدت ميتة، ليس لأنهم لا ينشدون السلام، بل لأن الطرف الآخر غير معني بأي شيء آخر غير مسألة كسب الوقت وإدامة مشروعه عنوة أطول فترة ممكنة اعتمادا على القوة والقوة وحدها.

حتى نهاية القرن العشرين، كانت معالم الخارطة السياسية للعالم قد اتضحت كثيرا إلى درجة بات من الضرورة بمكان بالنسبة للمركز الرأسمالي أحداث انعطافة كبرى قادرة على تشويه ذلك الوعي العالمي الناشئ حول ماهية ما تمارسه الشركات الاحتكارية الكبرى من استغلال لثروات الشعوب الأخرى.

فصعدت الولايات المتحدة هجمتها في غير مكان من العالم وأوهمت المجتمع الدولي أو فرضت عليه حربا ليست حربه « الحرب على الإرهاب«، التي يمكن اعتبارها الدجاجة التي تبيض ذهبا للمركز الإمبريالي في محاولاته المضنية لتشويه الحقائق وحرف الأنظار عن حقيقة ما يجري.

bassil@albayan.ae