ما حدث في أبوظبي خلال الأيام الثلاثة الماضية من تظاهرة ثقافية عربية، باستضافة أسبوع الفرانكوفونية الذي نظمته جماعة أبوظبي للثقافة والفنون بالتعاون مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية برعاية إماراتية سامية، تكريماً للقيم الإنسانية ولقيم الحوار والاحترام المتبادل بين الثقافات، واحتفاءً بالثقافة الفرنسية التي نظرنا إليها باعتبارها نصيرا للحرية والعدالة والحقوق الإنسانية.
ولتعزيز الحوار بين الآرابوفونية والفرانكوفونية والتي لا تغيب عنها الأهداف السياسية لتعزيز العلاقات بين الإمارات العربية والجمهورية الفرنسية وبين الشعبين العربي والفرنسي، هو عكس ما حدث في معرض الكتاب في باريس من تكريم لإسرائيل كضيف شرف هذا العام، بمناسبة الذكرى الستين لإعلان دولتها العدوانية على أرض ليست لها وبصك من مستعمرين أوروبيين للأرض العربية ليس لهم حق الملكية لوطن الشعب الفلسطيني.
ولا حق التنازل عن أرض ليست لهم لأوروبيين يهود آخرين تعويضاً عن جرائم حرب ارتكبها الأوروبيون النازيون ولم يرتكبها العرب المسلمون، بما يشكل إهانة للمشاعر العربية، وسقطة للقيم الإنسانية وشهادة زور على ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والثقافة الحقوقية الفرنسية.
و في حضور هذا الجمع الممتاز من الضيوف وفي مقدمتهم الرئيس الافريقي السنغالي السابق عبدو ضيوف الذي يتولى موقع الأمين العام للمنظمة الفرانكوفونية، ونصير للحقوق العربية، خلفا للسياسي المصري العربي الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة .
والذي فقد منصبه بالفيتو الأميركي المنحاز للعدوانية الإسرائيلية، والرئيس الحالي للمجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، لإعلانه تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية التي تدين إسرائيل في (مجزرة قانا) الأولى ضد اللاجئين خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 82 .
يبدو هنا مناسباً توجيه رسالة إنسانية وثقافية عربية فرنسية باسم المشاركين في هذا الأسبوع للمثقفين الفرنسيين والفرانكفونيين في العالم تدعوهم فيها للانتصار لمبادئ الحرية والعدالة والسلام بإدانة تكريم الاحتلال والظلم والعدوان الصهيوني على الشعب العربي الفلسطيني.
وللعدالة الإنسانية التي ترفع الظلم عن الشعب المحروم من أبسط حقوق الحياة، والذي يتعرض يومياً للعدوان وللهولوكوست الصهيوني، بما لا يمكن أن يجعل المعتدين في الضمير الإنساني عموماً والفرنسي خصوصاً محل تكريم في تظاهرة ثقافية فرنسية مجافاة للمشاعر العربية بل محل إدانة وتجريم.
تلك السقطة اللاثقافية واللاإنسانية بتكريم صناع الهولوكوست الصهيوني ضد الشعب العربي الفلسطيني في غزة المحاصرة وسط الصمت والتواطؤ المخزي، هي ضد مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الفرانكوفونية، ووصمة عار على السياسة الفرنسية.
ترفضه الثقافة الآرابوفونية الإنسانية التي تقاوم العدوان وتناضل من أجل العدالة والحرية، كما رفضتها وازدرتها كل الاتحادات والجمعيات والمنظمات الثقافية العربية والإسلامية بل والشرفاء من المثقفين الأوروبيين أيضا باعتبارها عملاً ليس فقط ضد الثقافة بل أيضاً ضد الإنسانية . وقد يقول قائل ما الداعي لخلط الثقافة بالسياسة، وما الجدوى من تسييس الثقافة هكذا؟!.
وأقول لهم، يستحيل الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي.. أليست الفرانكفونية التي بدأت كرابطة ثقافية فرنسية كانت بهدف استمرار ربط فرنسا بمستعمراتها السابقة في إفريقيا، تدعيماً لموقف فرنسا الداعي إلى الاستقلال عن المظلة الأميركية على أوروبا، وفي مواجهة الأنجلوفونية التي تربط بريطانيا بمستعمراتها السابقة في الكومونولث البريطاني؟
وأقول لهم ..من فضلكم وجهوا مثل هذه الأسئلة لأولئك البعض من المثقفين الفرنسيين والأوروبيين الذين قاموا بهذا وحولوا معرض باريس للكتاب إلى منبر سياسي لرئيس الدولة الصهيونية العدوانية للهجوم الهابط على الثقافة والسياسة العربية والعالمية التي تعارض تكريم العدوان، ولا توجهوا مثل هذه الأسئلة إلى الذين يدركون أن الثقافة الإنسانية الصحيحة هي أساس السياسة الإنسانية الصحيحة، وأن من لا ثقافة أخلاقية له لا سياسة أخلاقية له.