لم يكن «التجمع الوطن الديمقراطي» الذي كان يتخذ من اسمرا مقراً رئيسياً له سوى اسم آخر لـ «الحركة الشعبية» الجنوبية بقيادة جون قرنق، كان قرنق كاتب السيناريو والمخرج والبطل، فلم يكن الآخرون من قادة الأحزاب الشمالية.

وفي مقدمتها «الأمة» و«الاتحادي الديمقراطي» سوى كومبارس، ولذا لم ير قرنق بأساً في الدخول في اتفاق مصيري مع نظام «الإنقاذ» لتحقيق آمال الشعب الجنوبي متجاهلاً القيادات الشمالية تماماً. وفي تجاوب مع الولايات المتحدة التي ابتدرت التصالح بين الحركة الجنوبية والنظام الحاكم تم إشراك القيادات الشمالية في العملية التفاوضية التي أفرزت الاتفاق.

قبل حدوث هذا التفاوض كان الصادق المهدي أول عضو قيادي في «التجمع» يصدع بالتمرد على قرنق وسيطرة «الحركة» الاحتكارية على هذا التنظيم المظلي والتحكم في أجندته ومساره، وهكذا وقع اشتباك سياسي مصيري وعلني بين المهدي وقرنق انتهى بخروج حزب الأمة من التجمع نهائياً مما مهد لحلول مناخ جديد أدى إلى تصالح بين «الأمة» ونظام «الانقاذ».

وبذلك عاد المهدي إلى السودان لممارسة نشاطه المعارض من الداخل. هكذا استوعب الصادق المهدي درس المعارضة من الخارج وما تتطلب من ثمن سياسي باهظ يتمثل أكثر ما يتمثل في اضطرار زعيم ما إلى الخلط بين الاستراتيجية و«التكتيك» مما يقوده إلى المساومة على ثوابته.

للالتقاء مع جون قرنق والاستفادة من قوته القتالية الضاربة اضطر المهدي وهو إمام طائفة دينية تمارس عملاً سياسياً يستوحي الثورة المهدية الإسلامية إلى قبول مبدأ «فصل الدين عن الدولة» ولنفس السبب سمح لنفسه بالإسهام في خدمة الأجندة الأميركية التي كان قرنق مكلفاً بها كعميل للولايات المتحدة.

الآن يبدو ان الصادق المهدي قد استكمل استخلاصات تجاربه، فهو يعرف نفسه كزعيم قومي أكثر من رئيس حزب معارض، وبهذه الصفة فإنه توصل إلى اتفاق عريض ذي طبيعة قومية مع حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم لمجابهة تحديات المستقبل المصيري للسودان، والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: هل ينجح هذا الاتفاق على صعيد التطبيق؟

بقدر ما ينطبق هذا السؤال على حزب الأمة فإنه ينطبق بنفس القدر على المؤتمر الوطني، وهنا يقتضي الإنصاف الموضوعي ان نسجل ان قيادة المؤتمر الوطني أساءت التعامل مع المهدي وحزبه بعد عودته إلى البلاد لممارسة معارضة شريفة من الداخل، لقد تعاملوا معه بوسائل المناورات والكيد وأسهموا بقوة ودأب في شق حزبه بكافة وسائل الترغيب والترهيب، فهل يتغير الأمر هذه المرة؟

من المبكر اصدار حكم لكن تبقى كلمتان:

أولاً: ان المخاطر الجسيمة التي تحيط بالسودان داخلياً وخارجياً لا تحتمل أسلوب المناورة والكيد، هذه هي الحقيقة الكبرى التي ينبغي ان يعيها قادة المؤتمر الوطني.

ثانيا: انه مهما قيل عن الصادق المهدي وأخطائه واخفاقاته يظل كما هو دائما زعيماً وطنياً نظيفاً من الدرجة الأولى لم يعرف عنه قط صفة عمالة أو فساد.