بعد خمس سنوات مفجعة على بدء غزو العراق، يأتي نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، إلى بغداد؛ ليعلن ومن غير أن يرفّ له جفن، بأنها كانت محاولة ناجحة ولو أنها «كانت صعبة». ولذلك فهي، حسب زعمه، «كانت تستحق الجهد الذي بذل من أجلها».

هكذا، بهذه السهولة ومن دون أي تحفظ؛ ولا حتى استدراك. وكأن كل ما جرى وحصل، من تمزيق ونزف ودمار، لبلد وشعب بكامله؛ لم يكن ذا شأن. أو كأن كل العالم، يعاني من خلل في بصره وبصيرته؛ عندما يرى تلك الحرب، على النقيض من تقييم نائب الرئيس لها.

العراق اليوم وهو يدخل عامه السادس تحت الاحتلال، ما زال يتلوى بين فكّي الوحش الأمني. التحسّن الذي قيل إنه حصل، هشّ. وفي أحسن أحواله، مهدد؛ حسب ما يعترف به الأميركيون أنفسهم. أحواله الإنسانية، هي الأسوأ في العالم؛ وفق آخر تقرير للصليب الأحمر ولمنظمة حقوق الإنسان الدولية. مئات الآلاف من العراقيين يقيمون في مخيمات وبأحوال مزرية.

أربعة من أصل عشرة منهم يعيشون على دولارين في النهار. الوضع الصحي تردّى إلى حدّ حمل جهات دولية على التحذير من عواقب بالغة الخطورة، إذا ما بقيت الأوضاع على هذه الحال. العملية السياسية المتعثرة تراوح مكانها. مؤتمر المصالحة، الذي انطلق أمس في بغداد، يواجه عقبات سبق أن أدّت إلى انهيار محاولات مماثلة؛ في الماضي القريب.

كل هذا المشهد البائس الذي أنتجته الحرب والواضح وضوح الشمس في عزّ الظهيرة، لم يكن كافياً لنائب الرئيس تشيني؛ لكي على الأقل، يعيد النظر في تصنيفه لتلك الحرب؛ التي بات معروفاً أنه لعب دوراً رئيسياً في افتعال مسوغاتها.

حتى العديد من الدوائر الأميركية ذاتها، في الكونغرس ووسائل الإعلام وأوساط الخبراء والمراقبين، فضلاً عن الكثير من العسكريين ـ وآخرهم الأدميرال فالون، قائد قوات المنطقة الوسطى، الذي استقال من منصبه اعتراضاً ـ لا تشارك الإدارة في هذه النظرة لحرب العراق.

لا بل هي رفعت صوت الاعتراض عالياً ضدها؛ لما جرّته من خسائر أميركية فادحة، في الأرواح والكلفة. أكثر من أربعة آلاف جندي أميركي سقطوا، حتى الآن في العراق. التقارير الأخيرة، ذكرت أن الحرب تكلف واشنطن 12 مليار دولار شهرياً. والحبل على الجرّار.

ومع كل ذلك، يصرّ نائب الرئيس؛ ليس فقط على صوابية تلك الحرب ـ الخطيئة، بل أيضاً على مواصلتها وعدم الانسحاب من ساحتها «قبل إنجاز المهمة»؛ على حدّ ما قال، خلال زيارته لبغداد، أمس. ما هي المهمة التي يريد إنجازها ومتى؟ من البداية طرحت الإدارة هذا الشعار، من دون تحديد سقف زمني ولا تفاصيل. تركت الأمور عائمة ومبهمة؛ تحت شعارات فضفاضة، لم يتحقق منها شيء. وفي الغالب تحقق نقيضها.

نائب الرئيس تشيني، معروف عنه أنه رجل التشبث، في الإدارة. هو الوحيد، الذي لم يقتنع، حتى الآن، أن العراق كان خالياً من أسلحة الدمار. ومعروف عنه أيضاً أنه وقف وراء معظم.. إن لم يكن جميع قرارات السياسة الخارجية. واليوم، بعد كل هذه التركة التي راكمها في العراق، يأتي وكأنه يقول: عنزة ولو طارت.