توارت القوة العسكرية وراء الظلال بعد توهم الجميع ان تركيا تغادر المؤسسة العسكرية للأبد وتدشن مرحلة جديدة من ملامح الديمقراطية التركية بجوهرها الإسلامي وذات الماكياج الأوروبي المحافظ، وقد بدأت الثنائية التركية التنافس قبل شهور على مقاعد البرلمان ومن ثم على المقعد الرئاسي.
والذي كاد أن يحطم الجسور التاريخية للعلمانية التركية والتي حشرت كل طاقاتها لإفشال مرور حزب العدالة والتنمية إلى مواقع خطيرة، تتيح له القيام بإجراءات دستورية تفتح له أبواب كانت مغلقة لعقود طويلة كونها خطوط الحصانة وفيتو الدولة العلمانية الأتاتوركية.
وبالرغم من اعتراض صقور العلمانية والذين يحتلون مواقع حساسة في كيان الدولة ومؤسساتها الحيوية كالجامعات ووزارة التربية والمحكمة الدستورية والجيش والأمن، فإن حزب العدالة والتنمية نجح في التسرب الهادئ والخفي بفرض مؤثرات الصبغة الدينية في الدولة العلمانية.
وأخذت تتغلغل أنفاس الحزبية والعقائدية السياسية لحزب العدالة والتنمية في شرايين مناطق جديدة، إلا أن تيار الحمائم في الضفة العلمانية كان ينتظر ويراهن على مصداقية ما يصرح به قادة حزب العدالة من أنهم ليسوا حزبا دينيا ولا معادين للنزعة الأتاتوركية.
ولا هم يقفون موقفا معاديا للعلمانية وتاريخها الأتاتوركي المعاصر، فكان على تيار الحمائم أن يبلع الطعم ومن خلفه الاتحاد الأوروبي الذي كان يراهن على تبدل حزب العدالة والتنمية مع عملية التغيير والاحتفاظ بمرونة كافية ما بين الهوية الدينية الثقافية للمجتمع وطبيعة الدولة السياسية وفكره ومنهجه سواء باحتفاظه بالقوانين الراسخة للأتاتوركية أو باحترام القيم العلمانية التي أكدت عليها الكمالية منذ خطواتها الأولى.
وإذا ما كان رهان حمائم العلمانية يتوافق مع التيار المرن في الاتحاد الأوروبي على أن تركيا ستكون أكثر نضجا مع الوقت للدخول في عضوية الاتحاد فإن صقور العلمانية بقيادة مؤسسة الجيش كانت تتوجس من أقنعة وخطاب حزب العدالة والتنمية، والذي تمثل قاعدته العريضة تيارا أصوليا ممتدا بكل تطلعاته نحو مشروع الدولة الإسلامية في تركيا.
لم تمر أسابيع حتى بدت تنزاح تلك الشكوك وتتضح المساحيق عندما اتخذت الخطوة الأولى بتعديل برلماني على الدستور يحق فيه للفتاة التركية حق التعليم الجامعي حتى وان كن متحجبات، وقد كان يمارس حزب العدالة لعبته البرلمانية معتمدا على الأكثرية في البرلمان والانطلاق من مبدأ الحقوق المتساوية للمواطنين.
وإذا ما أتيح للبرلمان فعل كل ما يريد نتيجة مبدأ الأقلية والأغلبية فإن تركيا عرضة لتغيير دستورها ومواده بصورة منهجية خطوة خطوة دون إثارة الغبار في البيت التركي الغارق في لجة صراع وتجاذب تاريخي في طبيعة تلك الهويات المتعددة التي لم تحسم الدولة العلمانية في السابق كيف تقلص من منابعها الثقافية.
فعزلت الهويات الاجتماعية عن النصوص الدستورية والقوة الفاعلة في الدولة في مرحلة كانت المؤسسة العسكرية هي المهيمنة، بينما الديمقراطية تكاد رائحتها لا تظهر إلا في مناسبات قصيرة، ثم سرعان ما تختفي بانقلابات دموية وعسف أمني شديد جعل من تركيا نموذجا من نماذج دكتاتوريات أميركا اللاتينية.
وفي الوقت ذاته كانت أعماق التربة الاجتماعية والبيئة الثقافية التركية محاطة بظلال عميقة من التدين الشديد، خاصة في أطرافه البعيدة، ومع تزايد الموجة الدينية في الشرق الأوسط في العقود الثلاثة الأخيرة لم تكن تركيا محصنة عنها وإنما العكس، بقدر ما كانت حاضنا ناضجا لتقبل النموذج الجديد لمشروع بديل للإسلام السياسي والدولة الإسلامية، بعد أن رأت في الحكومات والأنظمة المتعاقبة في تركيا نماذج فاشلة وفاسدة.
وبذلك لم تنفع القوى المتحكمة بمفاتيح مواقع العلمانية أن تحافظ على قوتها الفعلية في البرلمان لكونها خسرت قوة الشارع وقوة النفوذ والتأييد الشرعي، خاصة إذا ما بالفعل احتكمت تركيا الديمقراطية للإرادة الشرعية للشعب واحترمت خياراته.
هذا المأزق بين قوانين ونخبة سيادة علمانية النزعة وقوى جديدة تؤسس لمشروع الإسلام السياسي بدأت تزحف على مواقع حيوية بتقنين المجتمع العلماني المفتوح على التعددية الثقافية والدينية، حيث صدرت قوانين تمنع الكحول.
وهي ليست خطوة ثانية بعد الحجاب وإنما تعبير عن سلسلة لمشروع واحد للتحول نحو المناخ الديني لدولة إسلامية متكاملة تفرض نفسها على الجميع بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، وإن رفض عضويتها بعد عشر سنوات سيدير ظهرها إلى آسيا الوسطى والصين وللجوار الإسلامي والاتحاد الروسي والامتداد نحو العالم العربي والإفريقي كقوة مستقبلية قادمة وتشكل سوقا وقوة اقتصادية جديدة.
فليس كل ما يغري به الاتحاد الأوروبي من امتيازات مسألة مقدسة، فبقدر ما ان الآخرين في مرحلة ما بحاجة للاتحاد الأوروبي فإن الاتحاد بحاجة للآخرين، فعالم المصالح لا يتوقف بالجغرافيا، بعدها ستكون تركيا جسرا بين الأطراف العديدة دون مذلة وشروط الاتحاد التعجيزية الدائمة.
دون شك هذه الثنائية ليست سهلة التطويع بإجراءات فوقية أو بمحكمة دستورية تهيمن عليها اتجاهات علمانية، فما قامت به المحكمة من تعليق نشاط حزب العدالة والتنمية كحزب حاكم ومحاكمة سبع عشرة شخصية سياسية بمن فيهم الرئيس ورئيس الوزراء يدلل على استعداد الجيش للخطوة القادمة.
إذ لا يمكن أن يتنازل بسهولة حزب حاكم منتخب ديمقراطيا ويمتلك قوة مؤثرة في الشارع أمام قرارات خطيرة بهذه الصيغة المنافية شكلا وجوهرا للروح الديمقراطية. ما تمر به الديمقراطية من تجريب مريع في دول عدة يعكس حقبة تاريخية مضحكة، حيث الديمقراطية باتت لا تدافع عن نفسها، وإنما تتجاذبها الأهواء والمصالح.
إن إجراء التعطيل والتجميد يهيئ الشارع التركي لتوترات قصوى بين قوتين متصارعتين برلمانيا، وجدت إحداهما الملجأ الوحيد للدفاع عن العلمانية هو المحكمة الدستورية، فكان قرار المحكمة كالصاعقة، وستشعل قريبا خارج قبة البرلمان حريقا لا نعرف مداه، إذ لا يبدو في الأفق قبول أي طرف بالتنازل، ولحظتها يحسم الخلاف العسكر الذين ينتظرون في ثكناتهم أوامر التحرك.
فكيف ستكون معنويات الجيش التركي المقاتل في جنوب البلاد؟ هل ستتفكك جبهته الموحدة على أساس قومي وقد كان يوحدها العداء المشترك لحزب العمال الكردستاني؟ أم العلمانية فقط عرضة للاهتزاز وسط قاعدة الجنود والضباط الصغار؟ فيتقاسم تركيا بالمناصفة تياران، تيار الدولة العلمانية وتيار الدولة الدينية.
كاتب بحريني