تركيا دولة جارة للعرب لها حدود مع دولتين عربيتين هما سوريا والعراق، ومن جنوب تركيا ينبع نهر الفرات ثاني أطول وأهم نهر للمياه العذبة في الوطن العربي بعد نهر النيل. وتربط تركيا بالعالم العربي علاقات تاريخية تمتد لخمسة قرون، وعندما سقطت الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى كانت جميع الأقطار العربية تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية استعماراً واستيطاناً وحماية.

وقد حكمت الدولة العثمانية الدول العربية أربعة قرون في المشرق وثلاثة قرون في المغرب العربي ولا نناقش هنا طبيعة ذلك الحكم هل كان العثمانيون حماة للعالم العربي أم غزاة، لكن ما يمكن قوله إن الموروث التاريخي للعلاقات العربية العثمانية التركية يلقي بظلاله على الحاضر، وقد يكون من الأسباب للمشكلات بين العرب والأتراك، فالدولة القومية التركية الأتاتوركية العلمانية لم تتخلص من ذلك الموروث.

ونراها تنتفض عندما تثار المشكلات التاريخية بين العرب والعثمانيين، فهي تسعى من خلال المؤتمرات العلمية التي تناقش تاريخ العثمانيين في الدول العربية لتلميع صورتها أو لا ترضى نقداً عربياً لسلوك العثمانيين السلبي تجاه العرب، وكلنا يتذكر كيف أن الجهات الرسمية والإعلامية التركية ثارت ثائرتها عندما عرض مسلسل ( أخوة التراب ) السوري تلفزيونياً وهو يتحدث عن ظلم العثمانيين للسوريين قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى.

المسألة الثانية في العلاقات العربية التركية هي قضية الأكراد الذين يقطنون جنوب تركيا وشمال العراق وشمال غرب إيران وشمال سوريا، وأغلب الأكراد في تركيا لديهم قضية قومية واقتصادية في تركيا وشمال العراق خاصة.

وعدد الأكراد في تركيا يبلغ حوالي عشرة ملايين، وفي شمال العراق أربعة ملايين، وفي إيران حوالي مليون وفي سوريا نصف مليون وهذه أرقام تقريبية وليست دقيقة، هناك تنظيمات كردية سياسية في جنوب تركيا وفي شمال العراق، وقضية الأكراد في تركيا تختلف عنها في العراق لكن هناك فصائل من الأكراد تسعى ومنذ عقود لإقامة دولة كردية في المناطق التي يتواجد فيها الأكراد وبخاصة في جنوب تركيا وشمال العراق.

وكانت أنظمة الحكم في البلدين تسمي تلك المساعي بالانفصالية، وتقاوم ذلك المشروع وبخاصة إذا عرفنا بأن جنوب تركيا منطقة غنية بالزراعة ومنطقة الأنهار وسلة الغذاء التركية، وشمال العراق غنياً بالنفط والزراعة، وحياة العراق الاقتصادية الأساسية تعتمد عليه وهناك علاقات عضوية عرقية وثقافية وقرابية وسياسية بين الأكراد أو أعداد كبيرة منهم في البلدان التي يتواجدون فيها والتي سبق ذكرها.

لقد كانت تركيا مرتاحة نسبياً من أنظمة الحكم ذات التوجه (القومي) في كل من سوريا والعراق والتي تؤكد على وحدة الدولة والحكم المركزي، لكن بعد سقوط نظام حزب البعث في العراق عام 2003م، ضعفت الدولة إن لم تكن انهارت فإن القوى العرقية والطائفية ظهرت للعلن لتلعب دوراً محورياً في سياسة العراق غير المستقرة والمضطربة والأكراد أحدها وأهمها كونهم اضطهدوا أثناء حكم حزب البعث خلال أكثر من ثلاثة عقود والعهود السابقة.

وعلى الرغم من اختلاف فصائل الأكراد بين المنتمي للعراق والمطالب بحقوق سياسية واقتصادية حرم منها وبين من يحمل طموح إقامة دولة كردية فإن تركيا تنظر بعين القلق لتنامي تجربة الحكم المحلي للأكراد في شمال العراق منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، وبخاصة أن التجربة الكردية في شمال العراق قد أثبتت نجاحها اقتصاديا وسياسياً.

المسألة الثالثة حول علاقات تركيا بالعراق وسوريا هي المياه. قلنا إن نهر الفرات ينبع من جنوب تركيا ويجري في الأراضي السورية ثم العراقية وتعتمد عليه سوريا والعراق بصورة أساسية في الزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية وقد حدثت أزمة بين البلدان الثلاثة في بداية التسعينات عندما أقدمت تركيا على بناء سدود على منابع نهر الفرات.

وإقامة بحيرات ضخمة خلف السدود حجزت فيها كميات هائلة من المياه أدت إلى انخفاض المنسوب في نهر الفرات مما أدى إلى أضرار في الزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية في سوريا والعراق. وتأتي بعد ذلك مسألة ضعف العراق في هذه المرحلة التاريخية بعد سقوط نظام حزب البعث وانشغال قواه المختلفة بالصراع الطائفي والعرقي .

وفشل الإدارة الأميركية في إدارة شؤونه بعد احتلاله، لتجد تركيا نفسها في موضع القوة الإقليمية المهمة في الشرق الأوسط وبخاصة بعد تنامي قوة إيران الإقليمية، فتحركت باتجاه القضية الكردية لمحاربة حزب العمال الكردستاني الذي كان يتخذ من شمال العراق منطلقاً لعملياته العسكرية ضد السلطة التركية، وقد شهد شمال العراق توغلاً عسكرياً تركياً عدة مرات راح ضحيته أعداد كبيرة من المدنيين الأكراد.

وفي الحملة التركية الأخيرة وما قبلها أهداف أبعد من محاربة حزب العمال الكردي قد تصل إلى أطماع في الأرض والثروة النفطية في شمال العراق ويجد التحرك التركي في شمال العراق تواطؤاً وموافقة أميركية معلنة وأميركا حسب القانون الدولي وقرار مجلس الأمن مسؤولة عن حماية الأراضي العراقية تحت الاحتلال !

لدى دول العالم الثالث ودول الشرق الأوسط على الخصوص ألف مشكلة ومشكلة بعض تلك المشكلات طبيعية بين الدول مثل مشكلات الحدود أو التداخل الاجتماعي، أو الخلاف على المصالح الاقتصادية، والاختلاف بين دول العالم الثالث والعالم المتقدم في معالجة المشكلات بين الدول هو في النهج والأسلوب فقد نضجت العلاقات في ظل التطور الحضاري بين الدول المتقدمة .

فأصبحت تواجه مشكلاتها المشتركة بالحوار لخلق التعايش السلمي وتطوير العلاقات، وحماية شعوبها ومصالحها لكن في العالم الثالث لم تدرك دوله بعد استخدام القوة والحرب لتحقيق المصالح السياسية تكون نتيجته خسارة المنتصر والمهزوم معاً نزيفاً بشرياً واقتصادياً.

وهناك من القوى الدولية التي ترى استمرار مصالحها في العالم الثالث بتشجيعها استخدام نهج الاحتراب إلى مالا نهاية، النهج الذي لا ترضاه تلك القوى لنفسها في علاقتها مع أقرانها، والمشكلة أننا لم ندرك تلك الحقيقة ولم نرتق حضارياً حتى يرتقى أسلوب تعاملنا مع بعضنا ومع الآخر.

إنه بكل تأكيد لن تحل الحرب التي تخوضها السلطات التركية مشكلة الأكراد في جنوب تركيا وفي شمال العراق، ولو كان ذلك النهج صحيحاً لتحقق لتركيا الانتصار على حزب العمال الكردستاني في حربها ضده مدة خمس وعشرين سنة.

الحل للمشكلة الكردية ومثيلاتها ليس إلا حلاً سياسياً، ومن ثم تنموياً اقتصادياً، ولو اعتمدت تركيا وغيرها في مواجهة مشكلاتها بالإصلاح السياسي والحوار والحل السياسي لجنبت هي وغيرها شعوبها الكثير من الويلات والخسائر البشرية والاقتصادية، وحققت الكثير من الإنجازات السياسية والاقتصادية لشعوبها، وانتقلت من التخلف إلى التنمية ومن التنمية إلى التقدم ويبدو أن بين دول العالم الثالث بوناً شاسعاً وزمناً طويلاً حتى تجسّر تلك الهوة نحو التقدم

كاتب كويتي