يعتقد البعض في وسط أوروبا أن مثول بعض جنرالات كرواتيا أمام المحكمة الدولية مؤخرا سيشكّل منعطفا بارزا في المسار القضائي الخاص بجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، باعتبار أن محاكمة هؤلاء ستشكل بداية نهاية ذلك المسار الممتد منذ انتهاء الحرب الطاحنة في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

فالجنرالات الثلاثة أنتي غوتوفينا وإيفان تشيرماك وملادن ماركاتش الذين قادوا عمليا حرب استقلال كرواتيا، اعتُبروا من قبل المدعية العامة السابقة كارلا ديل بونتي من بين آخر «أبطال» المجازر والمآسي التي شهدتها تلك الحرب، وبالتالي فإن تسليمهم مع جنرالات المعسكر الآخر (رادكو ملاديتش ورادوفان كارادزيتش) سيعتبر بمثابة النقطة الفاصلة التي ستحدد تاريخ انتهاء هذه المحاكمة التاريخية.

وكما هي الحال في فصول التاريخ المرتبطة بأي شعب يطمح للاستقلال والتحرر، فإن ما يعتبر مأساويا وعدوانيا بالنسبة لطرف من الأطراف، يُنظر إليه كتضحية بطولية وحتمية بالنسبة للطرف الآخر. وإذا أخذنا الأمور انطلاقا من هذا المقياس المبسط.

فإن حال الجنرالات الثلاثة لا تختلف كثيرا عمّا سبق، باعتبار أن ما تعتقده المدعية العامة في المحكمة الدولية لا يتساوى بأي شكل من الأشكال مع ما يؤمن به قسم كبير من الشعب الكرواتي، وهو أن الجنرالات الماثلين أمام المحكمة كمتّهين ليسوا سوى أبطالا ساهموا في رسم صورة حاضر البلاد ومستقبلها أيضا.

المشهد الأبرز في ما جرى مؤخرا داخل أروقة المحكمة هو بلا شك مثول الجنرال أنتي غوتوفينا لأول مرة ليواجه تهما خطيرة مرتبطة بأعمال قتل وحشية جماعية ضد المواطنين الصرب، والعمل على تهجير من تبقى منهم قسرا إلى داخل أراضي «صربيا الأم» المتهمة من قبل معظم الكرواتيين بتفجير الوضع في منطقة البلقان بأكمله.

وتتجسد فرادة هذا المشهد في حقيقة أن الجنرال المذكور لم يسلّم نفسه طوعا مثل الجنرالين الآخرين، بل أُعتقل في جزر الكناري بعد أعوام طويلة من الهرب وبعد ضغوط هائلة مورست من قبل المجتمعين الأوروبي والدولي على السلطات الكرواتية لتسليمه.

هكذا قيل لنا على الأقل أو هكذا أرادوا منّا أن نصدّق: جنرال يتمكن من الاختفاء لأربعة أعوام ونصف دون أن تتمكن أفضل أجهزة الاستخبارات الدولية من تقفي أي أثر له، لكنه يظهر فجأة كسائح في فندق خارج كرواتيا، ويتم اعتقاله بسبب ارتكابه هفوة تافهة تمثلت بالاتصال بزوجته عبر هاتف عادي.

لكن قراءة تسلسل الأحداث بهذا الشكل المسرحي لم تقنع كثيرين بالطبع، وأنا منهم، باعتبار أن الجنرال المذكور لم يكن رجلا أو ضابطا عاديا، حيث تمكن بفضل إنجازاته العسكرية الكثيرة التي قد نختلف في تقييم أوصافها، للارتقاء بنفسه إلى مصاف الأبطال الوطنيين الذين تُرفع صورهم في معظم المنازل الكرواتية، وحظي بشرف الانتماء لسجل الذين ساهموا بانتزاع الاستقلال في ظل ظروف صعبة ومعقّدة للغاية.

وانطلاقا مما سبق أرى بأن عملية اعتقال الجنرال غوتوفينا قد تمّت بالاعتماد على جملة من المعطيات التي وافق عليها شخصيا بغرض تحقيق مجموعة من الأهداف وأبرزها:

- المساعدة لإخراج بلاده من العزلة التي كادت أن تقع فيها في وقت كانت تناضل فيه من أجل التكامل مع المجتمع الدولي وحصد الاعتراف باستقلالها الحديث.

- المساهمة في استكمال مسيرة الاستقلال من خلال تحقيق أبرز الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها الحكومات الكرواتية المتعاقبة والمتمثلة بالانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

- إبراز كرواتيا كبلد ديمقراطي حقيقي يسود فيه حكم القانون وقادر بالتالي على التعايش مع ماضيه الأليم حتى لو تطلب الأمر مثول بعض «الأبطال» أمام المحاكم المحلية أو الدولية.

وبالطبع فأن ما ينطبق على غوتوفينا ينساق أيضا على الجنرالين الآخرين اللذين سلّما أنفسهما إلى المحكمة الدولية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والقضائية الكرواتية. ما يؤكد هذا الأمر هو أن الجنرالين المذكورين سلّما أنفسهما إلى المحكمة في ظل تغطية إعلامية شعبية ومسرحية حاولا من خلالها إظهار براءتهما من كافة التهم المنسوبة إليهما، وهو ما يحاول في الوقت الحاضر أن يفعله غوتوفينا من خلال نفيه التهم المرتبطة بما يعرف بعملية «العاصفة» التي أطلقت من خلال المجازر المرافقة لها شرارة استقلال كرواتيا.

أمام هذه المعطيات قد يكون من المنطقي التعرف عن كثب إلى هذا الجنرال الذي آمن بالأهداف القومية التي حدّدها الرئيس الكرواتي الراحل فرانيو تودجمان وساعده على تحقيقها. والنظر إلى السيرة الذاتية لهذا الرجل يثير الاستعجاب في الحد الأدنى إن لم أقل القلق في ظل اعتباره بطلا قوميا من قبل فئات كثيرة من الشعب الكرواتي: فقد انضم في سن مبكر إلى كتائب المرتزقة الأجانب التابعة للجيش الفرنسي.

وشارك في عدد من المعارك في تشاد وزائير وساحل العاج، ومن ثم عمل كمدرب عسكري في بعض دول أميركا اللاتينية مثل غواتيمالا وكولومبيا. بعد ذلك أنهى حياته العسكرية ليعمل مرافقا شخصيا لبعض رجال الأعمال المشبوهين، ومن ثم ليتم اعتقاله في العام 1986 في فرنسا بسبب تورطه في عملية سطو.

لكن اللحظة البارقة لغوتوفينا حلّت بعد إطلاق سراحه وعودته إلى كرواتيا، حيث تزامن ذلك مع اندلاع الحرب مع الصرب واحتضانه من قبل الرئيس تودجمان الذي منحه دورا عسكريا قياديا ما لبث أن استغله بإتقان ليتدرج حتى أعلى رتبة ممكنة.

بجميع الأحوال يمكن الجزم بأن محاكمة الجنرالات الثلاثة ستعتبر تاريخية بكل المقاييس خصوصا بالنسبة لكرواتيا الطامحة منذ فترة طويلة للانضمام إلى مصاف الدول الأوروبية الديمقراطية المؤثرة على الصعيدين الإقليمي والأوروبي.

فتسليم هؤلاء طوعا أو بشكل مسرحي لا فرق قد ميّزها بشكل بارز عن الدول المحيطة المتورطة في حرب البلقان الطاحنة، وقد يجعل منها مثالا يحتذى به بالنسبة للدول الأخرى الراغبة أيضا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لكنها ليست قادرة بعد على تصفية حساباتها مع ماضيها الأليم مثل صربيا تحديدا.

ما قد يهمّنا في ما يجري حاليا هو أن كرواتيا قد اختارت أهدافها وحدّدت أولوياتها بوضوح تام، وأنها أظهرت تصميما كبيرا من أجل تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها. ليس مهما أن يكون تسليم الجنرالات قد تم بشكل مسرحي أم لا. المهم في حقيقة الأمر هو أن تجد قيادة ذلك البلد الشجاعة الكافية لمواجهة الماضي بكل آلامه ومآسيه، لأن النقد الذاتي الصادق سيشكل المرآة التي ستنظر من خلالها الأجيال القادمة إلى مستقبلها المشرق حتما

كاتب لبناني