ليس هذا عنواناً لمسرحية هزلية، وليست نكتة سياسية، لا تثير الضحك بقدر ما تثير السخرية، وليست جزءاً من ملامح العملية الديمقراطية، بل إهانة للإرادة الشعبية وجناية على الحريات الشخصية والمدنية، وعلى التعددية الثقافية والسياسية، بل وعلى العلمانية والديمقراطية!

لكنها مسألة حقيقية لها سوابق مشينة مع الحكومات التركية التي تتهم بالإسلامية التي اختارتها الإرادة الشعبية بانتخابات ديمقراطية، وكأن حرية العقيدة تهمة حتى في النظام العلماني غير المزيف وغير المحنط، سواء بحماقة القوة بالانقلابات العسكرية، أو بعسكرة الدساتير التي وضعها العسكر لا دمقرطتها، وبالإجراءات التعسفية القضائية التي يطبقها القضاة الذين يعينهم رئيس البلاد الذي يعينه العسكر الذين يحرسون القوانين التي أرادها الشعب..!

وهى بهذا لا تثير الاحترام بقدر ما تثير الإشفاق والرثاء على بعض أصحاب الكهوف السياسية المهزومة بحكم محكمة الإرادة الشعبية في الانتخابات الديمقراطية التركية الأخيرة، والتي اختارت حزب العدالة والتنمية «ذو الجذور الإسلامية للمرة الثانية على التوالي في ظل النظام الدستوري العلماني المفروض على تركيا بإرادة العسكر وليس الشعب، «أولئك اللاديمقراطيون باسم الديمقراطية، بل واللا علمانيون باسم العلمانية.

مثلما حدث مع حكومة «عدنان مندريس» عندما أعاد الأذان وأعاد فتح المساجد أمام المصلين، ومثلما حدث مع حكومة «نجم الدين أربكان» عندما أعلن التضامن مع الشعب الفلسطيني في يوم القدس العالمي، وهو ما يحاولون الآن تطبيقه مع «عبدالله جول» و «الطيب أردوغان» وغيرهما على مر العهود العسكرية الأتاتوركية..

وهو ما يبدو في نظر المراقبين الإعلاميين آخر فرصة لإطلاق الطلقة الأخيرة قبل النفس الأخير للشيخوخة العلمانية الأتاتوركية، وقبل انتهاء مدة قضاة الدستورية العليا الذين عينهم الرئيس الأتاتوركي السابق «نجدت سيزار».

فيما تحاول تلك الرجعية التي عفا عليها الزمن التشبث بالبقاء بعد سلسلة هزائمها الديمقراطية والتشريعية على يد الشعب التركي ذي الغالبية الإسلامية في عصر الحرية، بما وضع النظام العلماني الأتاتوركي في نظر المعايير الديمقراطية الأوروبية في خانة النظم الدكتاتورية..

بل هي مسألة غاية في الغرابة والإثارة تمثل نوعاً من المكايدة السياسية من بعض الرجال العلمانيين الأتاتوركيين الذين لا يريدون ارتداء العمامة التركية أو العباءة العربية، ويفضلون عليها «البورنيطة» الخواجاتية» الغربية، ويرون في الحجاب « تقليداً عربياً»®. وهم لهم كل الحرية في أن يرتدوا أو يخلعوا ملابسهم كما يريدون..

وقد يرى بعض الخبثاء فيما فعله أولئك الرجال، من الحزب الأتاتوركي الفاقد للثقة الشعبية التركية في الانتخابات العامة انها استجابة للمكايدة النسائية من بعض العلمانيات اللائي لا يردن ارتداء الحجاب ويفضلن ارتداء البكيني، وهم أحرار في اختيارهن لأفكارهن وأزيائهن وأسلوب حياتهن طبقاً للحرية الشخصية التي تؤكد عليها العلمانية المتفتحة لا العلمانية المحنطة..

لكن مبعث الغرابة في المسألة أنهن لا يسلمن بحق غيرهن من النساء المسلمات في ارتداء الحجاب وليس البكيني! المسألة أو المهزلة تبدو في قرار من المدعي العام التركي بطلب من حزب «الشعب الجمهوري الأتاتوركي» بتحويل «إرادة غالبية الشعب التركي» التي عبر عنها في انتخابات ديمقراطية حرة إلى المحاكمة أمام المحكمة الدستورية لمحاكمتهم على ممارسة حرية العقيدة وحرية التعبير وحرية الاختيار السياسي .

ولمعاقبتهم على ممارسة إراداتهم الوطنية وفقاً لدستور الجمهورية التركية من خلال ممثليهم في البرلمان في سن القوانين التي تستجيب للإرادة الشعبية الحقيقية، لا لإرادة الحرس القديم الآتاتوركي التي مازالت تُحكم من قبر أتاتورك الذي فرض الدستور والقوانين العلمانية.

وألغى القوانين النابعة من الشريعة الإسلامية وأبدل اللغة التركية بحروف لاتينية لا عربية وبالدكتاتورية وليس بالديمقراطية! فلمن المشروعية.. ومن يحاكم من في النظام الديمقراطي؟ أهي السلطة التشريعية أم التنفيذية أم القضائية؟ أم هو الشعب باعتباره مصدر السلطات الثلاث؟ تلك هي المسألة.

mamdoh77t@hotmail.com