الزيارة التي تقوم بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لإسرائيل تحمل في توقيتها ومدّتها وخطابها عنواناً واحداً: تجديد التأكيد على مدى الالتصاق بالمواقف والسياسات الإسرائيلية. لا هي حاولت إخفاء هذا الأمر ولا الحفاوة البالغة التي حظيت بها من جانب حكومة أولمرت؛ توحي بغير ذلك.
ومع أن هذا شأنها وشأن مضيفها إلاّ أن ما يستوقف في الموضوع هو زعمها بأنها «تريد المساهمة في التوصل أخيراً إلى سلام على أساس الدولتين»، لكن المستشارة على ما يبدو نسيت أو على الأرجح تجاهلت أن لمثل هذا الدور ونجاحه شروطا؛ ليس أقلها التوازن في العلاقة والموقف من طرفي المعادلة.
فلا يستقيم الحديث عن مساهمة في السلام، عندما يكون صاحبه غارقاً حتى الأذنين، في احتضان طرف -إسرائيل- ويدير ظهره كلياً للطرف الثاني الفلسطيني، والدور الأميركي خير دليل. فهي تأتي إلى إسرائيل في لحظة بداية احتفالات هذه الأخيرة بالذكرى الستين لقيامها.
وتقرّر أن تمتد زيارتها لثلاثة أيام. خلالها تقوم بلقاءات وجولات ونشاطات عديدة. أهمها إلقاء كلمة أمام الكنيست الذي لم يسبق لزعيم ألماني أن دخله وتحدث فيه، وللإعراب عن مدى الترحيب، جرى تعديل خاص لنظام الكنيست؛ يسمح للمستشارة أن تلقي خطابها باللغة الألمانية.
في المقابل حرصت ميركل على أن تكون زيارتها خاصة ومخصصة فقط لإسرائيل، من جهة لتبقى مرتبطة بالاحتفال الستيني، ومن جهة ثانية للتشديد على خصوصية العلاقة مع إسرائيل، ولذلك لم يكن لرام الله ولو زاوية صغيرة في هذه الزيارة، حتى وإن كان مقر الرئيس الفلسطيني لا يبعد سوى أقل من نصف ساعة، عن مقر إقامتها في القدس.
سبق ذلك أن المستشارة لاذت بالصمت المطبق أثناء حملة «المحرقة» التي ارتكبتها إسرائيل في غزة مؤخراً، بينما أصوات الإدانة للجريمة صدرت آنذاك من كل صوب بدرجة أو بأخرى، ما عدا ميركل، وطبعاً واشنطن. واليوم هي تأتي لتؤكد على «المسؤولية الخاصة لبلادها إزاء إسرائيل»؛ وعلى «التزامها بأمن» هذه الأخيرة؛ من باب إدراكها «للتهديدات التي تحدق بإسرائيل منذ ستين سنة».
وكأن إسرائيل هي المهددة، في أمنها كما في وجودها. أما الجانب الفلسطيني فليس له سوى الوعود ومشاريع المؤتمرات. والمستشارة حفظت له حصته من هذه الوجبات. فقد حملت معها اقتراحاً بعقد مؤتمر جديد للسلام، في برلين، خلال الصيف القادم؛ يكون بمثابة امتداد لسلفه أنابوليس. وكأن الملف الفلسطيني لا ينقصه سوى المزيد من هذه البضاعة، أو كأن السوابق منها جاءت بالنفع والخير العميم على السلام المنشود.
إذا كانت عقدة الذنب الألمانية، التي تركها الهولوكوست، لا تزال تتحكم بخطاب برلين الرسمي فذلك قد يكون مفهوماً. أما أن تتحدث المستشارة من هذا الموقع عن دور لها في تحقيق السلام؛ في حين تتعمد التماهي التام مع الموقف الإسرائيلي وتتجاهل الطرف الفلسطيني وبعد كل الذي حصل؛ فإن ذلك لا يتعدّى بيع السراب وطحن الهواء.
