يحق للعرب جميعا ان يعجبوا لمواكب المداهنة التي تترى على اسرائيل هذه الأيام وكم (التطمينات) التي يزفها الزوار، وكأن اسرائيل على وشك الانهيار. وآخر ما يثير العجب هو تصريحات المستشارة الالمانية انجيلا ميركل التي تزور اسرائيل حاليا ، وهي زيارة أحاطها الجدل لكونها (مستشارة ألمانية) أي ان أي سياسي ألماني (لمجرد انه ألماني) فإنه يواجه بتوجس داخل اسرائيل ، وكأن كل الألمان حتى الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية مسؤولون عن أفعال الحقبة النازية، ومع ذلك زفت ميركل الى مستقبليها صنوف الدعم والتأييد متجاوزة في ذلك قيم العدالة وحقوق الانسان التي ترفع أوروبا كلها لواءها، وأولها عدم قبول مبدأ قيام دولة دينية لأن في ذلك نوعا من التمييز بين البشر على أساس الدين، ولكن مثل هذه المصطلحات من مثل (دولة لليهود في اسرائيل) لا يتوقف عندها أحد لأن اسرائيل تريد من زوارها أن يسمعوا ذلك ، ولو أن كلام القادة الأوروبيين وجد أذنا صاغية وساعدوا في ان تكون دولة اسرائيل يهودية خالصة فأين يذهب مئات الآلاف من العرب المقيمين في الاراضي المحتلة قبل ان تقوم دولة اسرائيل نفسها؟.

اما النقطة الاخرى المثيرة للغرابة فهي حديث ميركل عن (تهديدات) تحدق بإسرائيل ، معتبرة ان تهديد اسرائيل يعني تهديد ألمانيا، وكأن اسرائيل التي تقتل الفلسطينيين يوميا هي المهددة في وجودها ، اما الفلسطينيون فلم يجب احد على تساؤل: أين يذهبون لو خصصت اسرائيل لليهود فقط؟ ولم يشر احد ان هذه التصريحات تهدد وجودهم ايضا، ناهيك عن الاراضي العربية السورية واللبنانية التي لا تزال محتلة، ولكن لا أحد في اوروبا كلها او الولايات المتحدة يتحدث عن ان هذا الاحتلال الاسرائيلي يشكل تهديدا لهذه الدول الواقعة أجزاؤها تحت الاحتلال حتى اليوم.

هذا الكيل بمكيالين في قضايا الشرق الأوسط هو الذي أدى الى اتساع الخرق على الراتق، لأن هذه السياسة العرجاء وما يصاحبها من تصريحات جوفاء تعزز شعور اسرائيل بالغطرسة الى حد انها تعتبر التهديدات الأمنية او الوجودية مقصورة على وجودها هي دون غيرها. اما لو اضفنا تصريحات سمعها أو قالها شيمون بيريز في فرنسا وتصريحات اليمينيين الجدد والإدارة الاميركية الحالية في واشنطن فسنجد ان العالم كله لا يسمع ولا يرى إلا أخطارا محدقة بإسرائيل.

ان أمن الشرق الأوسط بل أمن العالم كل لا يتجزأ ، ولو كرست القيادات الأوروبية والاميركية نفسها وأبواقها واقتصادها وعساكرها وعتادها لحماية أمن اسرائيل وحدها فلن يعالج ذلك من مشاكل الشرق الأوسط شيئا.

بل سيزيدها تعقيدا على تعقيد، وليتعظ الأوروبيون خاصة من درس العراق، حين ساروا وراء التخويفات الاسرائيلية ووراء الادعاءات الاميركية التي ساقها انصار اسرائيل هناك حتى أغرقوا ذلك البلد العربي في الفوضى وإذا بهم يغرقون معه في مستنقع يصعب الخروج منه.

فحنانيكم أيها الساسة..لا تنفخوا في الغرور الاسرائيلي اكثر من ذلك حتى لا تدفعوا ثمنا أغلى.