حينما يكشف التلفزيون الإسرائيلي النقاب عن أن وزير الجيش الإسرائيلي باراك التقى الحاخام عوفاديا يوسف ـ الأب الروحي لحزب شاس المتدين ـ ونقل إليه معلومة أمنية حساسة ومهمة وانه في أعقاب ذلك قام الحاخام يوسف بالإعلان أن كتلة شاس في الكنيست لن تنسحب من حكومة ايهود اولمرت.
وحينما يضيف المحلل السياسي في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي امنون ابراموفيتش: «ان كتلة شاس التي كانت تهدد كل يوم بالانسحاب من الحكومة بسبب ومن دون سبب لم تعد الآن تريد الانسحاب»، ويردف متسائلاً: «فماذا قال باراك للحاخام؟
قال ساخرا «إن شاس كانت تريد الانسحاب من الحكومة بسبب المنخفض الجوي والآن تتمسك ببقائها فيها، فما الذي عرفه الحاخام يوسف من باراك؟»، نقول حينما يكشف النقاب عن هذا الانقلاب في موقف شاس من مسألة البقاء في الحكومة بفعل تلك المعلومة الأمنية فإننا يمكن أن نعتبر ذلك مؤشرا دامغا في السياق على حقيقة الاستعدادات الحربية الإسرائيلية .
وكذلك حينما تكشف مصادر إعلامية إسرائيلية النقاب عن أن «البنتاغون» شارك في خطط واستعدادات الجيش الإسرائيلي التي بدأت فور انتهاء حرب يوليو 2006 على لبنان من أجل إعادة تأهيل الجيش المهزوم، وأن كل خطوات إسرائيل منذ انتهاء الحرب تصب في هذا الهدف ابتداء من الضربة الجوية قرب دير الزور السورية مروراً باغتيال القيادي العسكري لحزب الله عماد مغنية.
موضحةً أن هناك مخططا إسرائيليا ـ أميركيا مؤلفا من حلقات، وأن إسرائيل تنفذ حلقات مخططها الأمني من اغتيالات وتفجيرات، وصولاً إلى شن حروب قبل شهر مايو القادم ضد حزب الله في لبنان وقطاع غزة، فان ذلك يعتبر أيضاً مؤشرا ثانيا بالغ الجدية على الاستعدادات الحربية الإسرائيلية.
فوفق الأدبيات السياسية والأجندة الحربية الإسرائيلية التي تتبنى استراتيجية «الحرب أولاً ودائما»، فان عملية اغتيال عماد مغنية ما هي إلا عملية في سياق مفتوح من حرب الاغتيالات ومن الحرب المفتوحة في فلسطين وفي لبنان التي لم تغلق «إسرائيل» ملفها أبدا، كما أنها تأتي في سياق استراتيجية تيفن الإسرائيلية القائمة على «الحرب أولاً ودائماً»، وفي سياق حروب «الحساب المفتوح» ما بين «إسرائيل» ولبنان المقاومة.
فتلك الدولة في حالة هجوم مفتوح على الفلسطينيين والعرب وعلى كل الجبهات، وهي إن كانت في حالة هجوم مفتوح فذلك لأنها تعتبر كما نظر مؤسسها بن غوريون «أنها إن خسرت حربا واحدة أمام العرب فان ذلك بداية نهايتها»، وبالتالي «عليها أن لا تسمح بمثل هذه الهزيمة»، ما يعني أن تلك الدولة قائمة ومستمرة على الحراب والحروب المفتوحة.
والمؤشرات على استعدادات تلك الدولة للحرب القادمة وهي على ما يبدو اقرب من أي وقت مضى كثيرة جدا..!
وفي هذا السياق الاستعدادي الإعدادي للمواجهة/ الحرب القادمة كتب ونظر عدد من نخبهم العسكرية وعدد من كبار محلليهم وباحثيهم الاستراتيجيين.
فمنذ البدايات قال خبير عسكري إسرائيلي: «إن ترميم صورة إسرائيل وقوتها الرادعة أمام العالم العربي بحاجة إلى عشرات السنين»، وأردف «أن هذه الصورة لن تتحسن إلا إذا خاضت إسرائيل حرباً أوسع، حرب دولة ضد دولة وليس حربا أمام (عصابات) على حد قوله تستخدم فيها إسرائيل كافة وسائلها القتالية المتطورة من اجل خلق زلزال في المنطقة يزيل ما علق من شوائب في صورة إسرائيل (القوية)».
كما قال الجنرالان عوديد تيرا ورون تيرا الأول عميد احتياط (سلاح المدفعية) والثاني رائد احتياط (سلاح الجو) «ان الوضع الاستراتيجي في المنطقة ينذر بمواجهة قريبة بين إسرائيل وأعدائها وعلى تل أبيب العمل على حسم الحرب لصالحها هذه المرة ـ معاريف»، ومن جهته كان زئيف شيف المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس كتب «قبيل وفات» يقول: «ان الحرب على لبنان ـ آنذاك ـ هي «جولة أخرى في حرب محدودة لا يوجد فيها حسم، ويجوز أنها ليست الجولة الأخيرة».
وقالت صحيفة معاريف العبرية أيضاً: «في الواقع بدأ العد التنازلي استعدادا للحرب المقبلة، التي كانت حرب 2006 مقدمة صغيرة لها فقط، ويجب أن يكون من الواضح تماما للجمهور، وللساسة وللجيش أن الحرب المقبلة على الباب، والأسوأ من كل شيء أننا غير مستعدين لها، واننا بَدونا كذلك، هذا هو وقت الخلاص من ذلك والاستعداد سريعا».
ويبدو أن هستيريا الحرب لديهم ارتقت إلى مستوى ابادي حيث قال الجنرال اهارون حليوة قائد مدرسة التدريب العسكري للضباط في الجيش الإسرائيلي: «اعتاد الجنود على حمل العلم الوطني والركض إلى احد المباني التي تشكل رمزا لدى العدو ورفع علمه كإشارة للانتصار، ولكن في الحرب القادمة، لن تبقى أبنية يرفع عليها العلم، هكذا نحن ندرب جنودنا».
وفي السياق تحدثت صحيفة التايمز «20070816» أيضاً عن «ان الكثير من الإسرائيليين يعتقدون أن حرباً جديدة مع حزب الله باتت حتمية مع إمكان أن تشارك فيها سوريا»، فيما يخشى المحللون العسكريون «ان تكون أكثر تعقيدا بسبب بروز قطاع غزة الذي صار يحاكي نموذج حزب الله على الخاصرة اليمنى لإسرائيل».
وفي سياق الاستعدادات لهذه الحرب كشفت صحيفة معاريف العبرية النقاب عن أن محافل أمنية في إسرائيل دعت إلى توزيع الكمامات الواقية على الإسرائيليين في ظل التوتر المتصاعد على الجبهة الشمالية.
كما كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية «أن الجيش الإسرائيلي أطلق حملة لتوعية السكان على إمكانية التعرض لهجوم بالصواريخ، ووفقا لما نقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» فقد «أكد الجيش الإسرائيلي رداً على أسئلة وكالة فرانس برس هذه التحضيرات دون الدخول في تفاصيل هذه الحملة التي لن تطلق إلا بقرار من الأوساط السياسية».
إذن وفق الأدبيات الإسرائيلية والتحليلات والاستنتاجات المستندة إلى كم هائل من المعطيات والحقائق الإسرائيلية واللبنانية، فإن الملف اللبناني ـ الإسرائيلي يبقى مفتوحاً، وان حروب «الحساب المفتوح» عمليا قائمة والمسألة في الحاصل بالنسبة للجانب الإسرائيلي هي مسألة وقت وتوقيت.
كاتب فلسطيني