الثقافة.. أية ثقافة هي في النهاية قيم وأفكار وسلوك ترتبط بكل ما هو إنساني جميل وليس بما هو عدواني شرير، وتكرم قيم الحق والخير والجمال، لا قيم اغتصاب الحقوق، ولا سلوك الأشرار، ولا نماذج القبح اللاإنساني.
والثقافة هي التعبير المعنوي عن أية حضارة مادية، ولا قيمة لحضارة مادية ولا لأية ثقافة غربية أو عربية تبارك اغتصاب حقوق الإنسان، أو العدوان الهمجي على الشعوب، ولا تكتفي بالانتقائية أو بازدواج المعايير بأهداف مغرضة، وإنما تجترئ بقلب المعايير الإنسانية الثابتة..
فإذا كان الاحتلال مشروعاً والمقاومة الوطنية للشعوب إرهاباً، وإذا العدوان دفاع مشروع عن النفس وإذا الدفاع عن النفس عدوان، وإذا الحرب سلام، وإذا السلام المطلوب هو الاستسلام لشروط ومتطلبات أمن العدوان، وإذا المعتدون المحتلون القتلة هم ضيوف الشرف والجديرون بالتكريم!!
مثل هذه الثقافة، أياً كان مصدر انتمائها وأياً كانت شعاراتها البراقة الخادعة بمهارة شريرة ما هي إلا ثقافة مريضة حين تغيب فيها المسؤولية الإنسانية أو القيمة الأخلاقية!!
وبينما تستمد ثقافتنا العربية قيمها الإنسانية وفكرها وأدبها وفنها من قيم الرسالات السماوية الكبرى الثلاث التي نزلت على أرضها العربية، تستمد الثقافة الغربية قيمها المادية من خارج منظومة القيم المسيحية النبيلة.. وبينما تشكل الثقافة الإسلامية الجوهر الحضاري للعروبة، تشكل الثقافة البراجماتية العلمانية الجوهر النفعي الانتهازي للحضارة الغربية.
وبينما تسود في الوطن العربي قيم الحق والعدالة والحرية التي بشر بها الإسلام العظيم، تسود في أوروبا وأميركا، أفكار وسلوكيات ودعاوى غريبة ليست على ثقافتنا فقط بل على ثقافتها الأصيلة تبرر الظلم والقهر والعدوان، لتصبح شاهد زور على ما ترفع من شعارات، وما تسلكه من سياسات تتمسح في الإنسانية وفي الديمقراطية وفي السلام.
وبروح إنسانية عالمية لا متعولمة، وبفكر إنساني مفتوح يحترم النفس ويحترم الآخر، ولا يصد نفسه عن الحوار مع كل الثقافات لا بالتعصب ولا بالانغلاق ولا بالعداء إلا لكل ما هو شرير أو عدواني أو ظالم، نجد أنفسنا بحاجة لوقفة ثقافية وسياسية مع السلوك المريض لشهود الزور على الثقافة الفرنسية التي بشرت بها الثورة الفرنسية من عدالة وإخاء ومساواة، ومن أول وثيقة لحقوق الإنسان جعلت من باريس ذات يوم عاصمة للتنوير في العالم.
ما حدث في معرض الكتاب في باريس من تكريم لإسرائيل كضيف شرف هذا العام، بمناسبة الذكرى الستين لإعلان دولتها العدوانية على أرض ليست لها وبصك من مستعمرين أوروبيين للأرض العربية ليس لهم حق الملكية لوطن الشعب الفلسطيني، تعويضاً عن جرائم حرب ارتكبها الأوروبيون النازيون ولم يرتكبها العرب المسلمون، يشكل عاراً على القيم الإنسانية وشهادة زور على ثقافة الحرية والعدالة الإنسانية والثقافة الحقوقية الفرنسية .
وأن تدعو فرنسا التي تخادع وتنافق العالم العربي وتسعى إلى اتحاد أوروبي عربي متوسطي رئيس الدولة العبرية المعتدية والمحتلة والغاصبة للحقوق الوطنية والإنسانية للشعب العربي الفلسطيني، وتتحدى القوانين الإنسانية الدولية بجرائم الحرب التي تقوم بها بالحصار والتجويع القتل والاعتقال، وتجريف الأشجار وهدم البيوت على المدنيين الأبرياء الآمنين، هو الحدث الذي يقلب صورة فرنسا الساركوزية على القيم الثقافية الفرنسية.
تلك القيم التي عهدناها تناصر الحرية والعدالة والحقوق الإنسانية، والتي كانت هي البلد الوحيد الذي أصدر قانوناً غدا من مقدسات القوانين الفرنسية هو قانون «جيسو» الذي يعاقب كل من يشكك أو يراجع أو يمس المحرقة الأوروبية التي تمت في الحرب العالمية المعروفة بـ «الهولوكوست» تحت علم الديمقراطية، وليست تحت الأعلام العربية ولا وفقاً للقيم الإسلامية ضد اليهود الأوروبيين.