لماذا نكتب.. ولمن نكتب.. وإلى متى نكتب؟
أسئلة تطرح نفسها على كثير من الكُتّاب كلما شرع أحدهم في كتابة مقال أو انتهى من كتابة مقال. وربما خطرت على بال كثير من الذين يقرؤون هذه المقالات المنشورة في الصحف والمجلات، أو عبر الشبكة العنكبوتية التي أتاحت للكُتّاب انتشاراً لم يكونوا به يحلمون ولا يتصورون مداه، إذ أصبحوا يصلون إلى شريحة من القراء لم يكن الوصول إليها متاحاً قبل دخول هذه التقنية عالم النشر، واختراقها كل الحدود.
وتحطيمها كل الموانع الطبيعية والمصطنعة، وإلغائها حراس البوابات الذين كانوا يقفون على عتبات أبواب العقول، يمنعون وصول بعض الأفكار، ويلطخون بأقلامهم السوداء صفحات الكتب والصحف والمجلات التي يتكرمون بتمريرها أحياناً، ويلغون بأقلامهم الحمراء الكثير منها.
ورغم أن البعض لم يفقد الأمل في إعادة هؤلاء الحراس إلى وظائفهم عن طريق محاولة حجب بعض المواقع الإلكترونية المشاغبة، إلا أن هذه المحاولات كثيراً ما تُمنى بالفشل، ليس لخيبة هواة الحجر وإنما لشطارة مستخدمي الشبكة في كسر أنظمة الحجب واختراقها للوصول إلى الممنوع الذي هو مرغوب، حتى لو كان لا يستحق عناء البحث والاختراق أحياناً.
ولعل ما يجعل الأسئلة أكثر إلحاحاً هو تساؤل القراء عن تفاعل من بيدهم القرار مع الكُتّاب الذين (يحملون الغيرة على هذا الوطن ولكن ليس بيدهم القرار) حسب تعبير قارئ يطرح مجموعة من الأسئلة، تاركاً الباب مفتوحاً على كل الأجوبة التي لا يملكها الكُتّاب غالباً.
تُرى أين يذهب كل هذا الحبر المُسَال على صفحات الأوراق، ومن يحفل بنقرات الأصابع على لوحات مفاتيح أجهزة الحواسب الآلية، تلك النقرات التي سرعان ما تتحول إلى مادة للتداول عبر المواقع الإلكترونية والمنتديات؟ وهل تُرانا نضيع أوقاتنا في كلام لا طائل من ورائه ولا فائدة تُرجى من تدويره وإعادة إنتاجه بأشكال مختلفة؟
أسئلة مشروعة لا يتردد الكُتّاب في طرحها، وإن هم ترددوا اعتزازاً بالنفس، أو خشية مواجهة الحقيقة المرة، أو لأي سبب آخر، بادر القراء إلى طرحها بشكل لا تنقصه الصراحة والوضوح والمباشرة، فتفاعُل القراء مع ما يُكتَب هو الوقود الذي يستمد منه الكتّاب الحماس والقدرة على مواصلة العطاء، لأن نظرية الكتابة للكتابة ربما تصدق على بعض أنواع الكتابة، لكنها لا يمكن أن تصدق إطلاقاً على مقالات كُتّاب الرأي الذين يتوقعون أن تجد آراؤهم آذاناً صاغية لدى أصحاب القرار، ليس بالضرورة أن يوافقوا عليها، ولكن على الأقل أن يتجاوبوا معها فيفتحوا ملفات القضايا التي تثيرها، إذ ربما وجدوا فيها وجهة نظر تستحق الأخذ بها، أو سوء فهم يتطلب التصحيح، أو رأياً يستحق مجرد الاحترام، وذلك أضعف الإيمان.
في عالم الكتابة المعاصر الذي لم تعد تحكمه تلك القواعد التي سادت في زمن ذهبي لم يعد له وجود، يصافح أعين القراء كثير من السواد الذي يغمر بياض الورق ويغطي مساحات شاسعة منه، ربما وجد البعض صعوبة في فرز الغث من السمين منه، وقد يستسهل البعض الأمر فلا يتردد في إنشاء مدونته الخاصة وملئها بكل ما يخطر وما لا يخطر على البال، ولكن هل العبرة بالكيف أم الكم؟ وما هو المعيار الذي نخضع له هذه الكتابات؟ وما هو الأثر الذي يمكن أن تتركه لدى من يقرؤها؟
ثمة نوعان من الأثر يبحث عنهما الكاتب: النوع الأول هو تجاوب القراء مع ما يكتب، هذا التجاوب الذي يصنع الكاتب منه البوصلة التي ترسم له الوجهة السليمة، وتدله على ما يستحق الاهتمام ويلقى صدى في النفس وما لا يستحق ذلك. هذا التجاوب يتخذ لنفسه أكثر من شكل بعد أن سهلت التكنولوجيا الحديثة وسائل التواصل بين الكاتب والقارئ، وأتاحت أكثر من وسيلة لمعرفة ردود أفعال القراء على حصاد أقلام الكُتّاب وما يطرحونه من أفكار وما يثيرونه من قضايا.
أما النوع الثاني فهو تفاعل أصحاب القرار مع ما يكتب الكُتّاب، ومعرفة ما تتركه كتاباتهم من أثر إيجابي لديهم كي تحدث التغيير الذي يتطلعون إليه. وهذه مسألة يشوبها الكثير من عدم الوضوح الذي هو أقرب للشك منه إلى اليقين.
صحيح أنه يَحْدُثُ أحياناً أن تَصْدُرَ بعض القرارات متزامنة مع مقالة ما أو حملة تقوم بها صحيفة من الصحف، ولكن ليس ثمة ما يثبت بشكل قطعي أن هذه القرارات جاءت نتيجة لهذا المقال أو تلك الحملة، فبعضها يكون قد تم اتخاذه فعلاً قبل هذه المقالات والحملات وتأخر إصداره لسبب أو لآخر، وإن كان هذا لا يقلل من قيمة ما يكتب أو ينشر، بل لعله يكون حافزاً ومشجعاً على الكتابة والنشر.
لذلك نتمنى لو توفرت مراكز ترصد كل ما يُكتَب، وتخضعه لدراسة متأنية، ثم تعرضه على أصحاب القرار ليكون أصحاب القلم شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار، يتحملون مسؤولية ما يكتبون، ويشعرون بأهمية ما يطرحون، وينقلون بصدق هموم من عنهم يعبِّرون، معتبرين أنفسهم سفراء القراء المعتمدين إلى من بيدهم القرار.
ليس هذا ضرباً من الأحلام لأن شيئاً منه متحقق على أرض الواقع وإن كان قليلاً. وحتى لو كان حلماً فإن هذا لا يضيره، لأن الحلم حق مشروع لا يمكن أن ننكره على أي إنسان، لاسيما إذا كان صاحب رسالة وحامل قلم يسخره لخدمة هدف سامٍ وغاية نبيلة يتوخاها فيه من يقرأ له ويعتقد أنه قادر على التغيير، حتى لو لم يصل هذا التغيير إلى مستوى الطموح، لكنه لا بد أن يقترب منه يوماً.
متى ينضب المعين؟ هكذا يسأل الكُتّاب أنفسهم كل يوم وهم يمسكون بأقلامهم واضعين أيديهم على قلوبهم. سؤال ربما وجدوا إجابته لدى الكاتب الأرجنتيني «آلبرتو مانغويل» في كتابه الرائع «تاريخ القراءة» حيث يقول:
(في رواية همنغواي الرائعة «ثلوج على جبال كليمنجارو» يتذكر بطل الرواية المحتضر جميع الحكايات التي لن يستطيع كتابتها. كان يعرف على الأقل عشرين قصة جيدة من المنطقة لم يكتب واحدة منها. لماذا؟ إنه يذكر البعض القليل، لكن القائمة كانت بالطبع دون نهاية. إن سلسلة الكتب التي لم نكتبها مثل سلسلة الكتب التي لم نقرأها، تمتد إلى أقصى زاوية من زوايا المكتبة التي لا نهاية لها. إننا نقف دوماً في البداية، بداية المجلدات الأولى من حرف الألف).
تُرى إلى أي مدى يمكن أن تلقي الكلمة حجراً في المياه الراكدة فتحركها؟ سؤال تبقى له وجاهته ما بقي القلم سلاحاً من الصعب كسره أو هزيمة حامله، لذلك نستأذن صديقنا العزيز الأستاذ حمدي قنديل، صاحب قلم الرصاص المشاغب، في أن نردد معه أبيات شاعر (بلاد ما بين النحرين) أحمد مطر:
جسّ الطبيبُ خافقي
وقال لي: هل هاهنا الألمْ؟
قلتُ له: نعمْ
فشقَّ بالمِشرَطِ جيبَ مِعطفي
وأخرجَ القلمْ!
هزَّ الطبيبُ رأسَهُ.. ومالَ وابتسمْ
وقالَ لي: ليسَ سِوى قلمْ
فقلتُ: لا يا سيّدي
هذا يدٌ.. وفَمْ
رَصَاصَةٌ.. ودَمْ
وتُهمةٌ سافِرةٌ.. تمشي بلا قَدَمْ.
كاتب إماراتي
