ماذا يعني إقرار الحكومة الأميركية الآن وبعد خمس سنوات من التدمير المنهجي للعراق بأن أحد المبررين لشن الحرب ليس صحيحاً.

في الأسبوع الماضي نشرت وزارة الدفاع الأميركية للمرة الأولى دراسة رسمية أكدت فيها عدم وجود صلة بين نظام الرئيس صدام حسين وتنظيم «القاعدة».

كتبرير لقراره الرسمي بغزو العراق استند الرئيس بوش أولاً إلى إدعاء بأن عراق صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل جاهزة للتشغيل مما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة..

واستند لاحقاً إلى إدعاء آخر بأن نظام صدام كان متورطاً مع تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن في علاقة عمل وتنسيق مشترك، وخلال وقت قصير بعد عملية الغزو التي تحولت إلى احتلال يبقى حتى يومنا هذا اضطر الرئيس الأميركي إلى الاعتراف بأن القوات الأميركية لم تعثر على أي شيء ذي علاقة بأسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية، والآن تعترف إدارة بوش بأن الإدعاء الثاني لتبرير الغزو كان أيضاً كذبة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ماذا يعني هذان الإقراران الخطيران للشعب العراقي والشعب الأميركي؟ بناء على كذبتين ملفقتين بنسبة مئة في المئة أدى الغزو الأميركي إلى مقتل ما يقدر بنحو مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين عراقي آخرين ما بين نازحين داخل الأراضي العراقية ولاجئين في الخارج.. بالإضافة إلى تدمير واسع النطاق لكافة البنى التحتية العراقية ـ باختصار انتهى العراق كدولة بعد أن ارتد إلى العصر الحجري.

أما على الجانب الأميركي فقد تمثلت الكلفة البشرية في مقتل نحو أربعة آلاف جندي.. مع كلفة مالية أسطورية لم يعرف لها التاريخ البشري مثيلاً.. فقد ناهزت نحو ثلاثة آلاف مليار دولار.

إنها دون شك جريمة حرب عظمى، ولكن أين المساءلة؟.. الحرب الأميركية على العراق امتدت زمنياً على الجزء الأكبر من ولاية الرئيس بوش المزدوجة. فقد استغرقت الآن خمسة أعوام ابتداء من السنة الثانية لهذه الولاية ولا نعرف متى تنتهي. فهل يغادر الرئيس بوش مسرح السلطة مع انتهاء ولايته بنهاية العام الجاري دون أن يخضع لأي محاسبة؟

لا يلوح في الأفق الأميركي مجرد احتمال إجراء تحقيق جنائي أو حتى استقصاء توثيقي للحقائق، وعلى الصعيد الإعلامي يدعي الرئيس أن الوكالات الاستخباراتية ضللت الإدارة بتقديم معلومات ملفقة إلى البيت الأبيض، وفي المقابل يقول رجال الاستخبارات إن الإدارة كانت تتخذ قراراً مبدئياً ثم تطلب بعد ذلك من الأجهزة الاستخبارية «طبخ» معلومات لتبرير القرار بصورة مفتعلة، وأغلب الظن أن العلاقة بين البيت الأبيض والأجهزة الاستخبارية قائمة على حالة تواطؤ.

وهكذا تشن دولة عظمى حرباً واسعة النطاق بناء على أكاذيب.. وتتواصل الحرب لمدى خمس سنوات قابلة للزيادة دون محاسبة من يتحكمون في عملية صنع القرار، فأي ديمقراطية هذه؟