لا يكف رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت واركان حكومته والناطقون باسمها، عن التحدث عن السلام واستعدادهم لتحقيقه والتفاوض بشأنه ومن هذه الناحية فأن الحكومة الاسرائيلية الحالية، وبغض النظر عن العناصر اليمينية والمتطرفة فيها، قد سجلت رقما قياسيا لم تسبق إليه اي حكومة اسرائيلية اخرى من حيث عدد التصريحات والبيانات التي تمتدح المسيرة السلمية والشريك الفلسطيني المقبول، وهو السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس والاستعداد للعمل مع هذا الشريك للتوصل الى اتفاقية سلام لا يبدو انها ستتم في المستقبل المنظور.
والرقم القياسي الاخر الذي سجلته هذه الحكومة هو عدد الوحدات السكنية التي اقيمت، او خطط لها ان تقام في عهدها والعطاءات التي احيلت لبناء الالاف من هذه الوحدات في محيط القدس العربية والضفة الغربية سواء بسواء كما ان عدد الشهداء والجرحى ومدى التدمير في البنية التحتية قد فاق ما سجل في عهد اي حكومة اسرائيلية سابقة، واي حكومة من هذه الحكومات المتطرفة وصل عدد الضحايا الفلسطينيين خلال يومين فقط (في غزة) الى 138 شهيدا، معظمهم من الاطفال والنساء والمدنيين الابرياء؟
ومع ان الضفة الغربية لم تشهد اي عملية عنف ضد الاسرائيليين منذ شهور عديدة ورغم ان محادثات السلام جارية على مختلف المستويات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية فان العمليات العسكرية والاقتحامات والاغتيالات لم تتوقف يوما واحدا وكان آخرها اغتيال اربعة ناشطين في بيت لحم ناهيك عن الاغتيالات في قطاع غزة وفي نابلس ورام الله وغيرها من المدن الفلسطينية.
ويبدو التنافس على اشده بين المسؤولين ليس من اجل التهدئة وطمأنة الخواطر ومبادرات حسن النية لبناء الثقة المنهارة بين الجانبين وانما في المزايدة على دغدغة عواطف القطاع اليميني والاستيطاني في اسرائيل وكأن مقياس النفوذ والشعبية بالنسبة لهؤلاء المسؤولين هو من الذي يتشدد اكثر ويتعامل مع الفلسطينيين باسلوب اشد واقسى ومن هو الذي يتسبب في قتل عدد اكبر من ابناء الشعب الفلسطيني حتى حين يسود الهدوء ويتلاشى العنف وتلوح بوادر التسوية في الافق.
والغريب ان الاعلام الاسرائيلي نفسه يعترف بأن معظم الضحايا الذين سقطوا في قطاع غزة هم من الاطفال والنساء والمدنيين ورغم ذلك فلم نسمع او نقرأ عن شعور بالندم او الأسف على هذه الدماء البريئة بينما تقوم الدنيا ولا تعقد اذا جرح طفل اسرائيلي واحد وكأن الفلسطينيين ليسوا بشرا او انهم من خارج الفصيلة الانسانية او انهم قادمون من الفضاء الخارجي ولا يستحقون ان يتعاطف العالم معهم.
وهكذا تسير الامور بعيدا عن كل امكانات الالتقاء الاسرائيلي مع الفلسطينيين على صعيد التعامل على قدم المساواة والاحترام لكرامة الفلسطيني وانسانيته ناهيك عن حقوقه الوطنية المشروعة وتقيم الممارسات الاسرائيلية العسكرية والاستيطانية جدرانا عالية شبيهة بجدار الفصل العنصري لاغلاق الطرق وسد السبل امام السلام العادل الذي يعترف بالاخر ويتعامل معه على اساس الندية والانسانية والمواثيق الدولية.
والسؤال هو: هل تدرك اسرائيل ان ممارساتها هذه ليست الطريق نحو السلام وانما تهدد ما تبقى من فرصة وفرها المجتمع الدولي لتحقيق التسوية؟ وهل تستخلص العبرة التاريخية المستفادة من نهج القوة الذي استخدمته على مدى ستة عقود وان البديل الوحيد للسلام هو الحروب والدمار وضياع آمال شعوب المنطقة في الاستقرار والأمن والتعايش.
