عندما تتلقى اتصالا من قارئ مزمجر، يبكي مخالفات مرورية تصل قيمتها في الشهر الواحد إلى الخمسة آلاف درهم بسبب موقف سيارة، فإنك تعتقد مبالغة القارئ في شكواه، لكن اعتقادك يتغير بمجرد معرفتك بأنه من سكان إمارة الشارقة التي يعاني فيها غالبية سكان المباني من مخالفات المواقف التي أصبحت تضاف إلى ميزانية المصروفات الشهرية لكل أسرة، علاوة على مصاريف الحياة والأعباء الأخرى التي يتحملونها، مع أن الفارق بين مصروفات المخالفات المرورية وغيرها من المصروفات كبير جدا.
فالمصروفات اليومية للملبس والمأكل ووقود السيارة وغيرها من المصروفات تبقى تحت سيطرة الفرد، فقد يستغنى أحدهم عن وجبة.
وقد يؤجل شراء ملبس لشهر آخر، لكن مخالفات المواقف تبقى فرضاً عليه طالما انه لا يجد موقفاً لسيارته، وأمام بنايته خاصة بعد عودته في ساعات الليل المتأخرة. إذ يفاجأ في صباح اليوم التالي بمخالفة توضع على زجاج سيارته الأمامية بحجة وقوفه في مكان لا يسمح بالوقوف فيه، أو لأنه تسبب في عرقلة حركة سير، أو لأنه أغلق الطريق على آخرين لم يتمكنوا من الخروج بسبب سيارته.
أضف إلى ذلك انه إن سلم من مخالفات المواقف لم يسلم من حادث بسيط تتعرض له سيارته بسبب سائق آخر يمر بجانبها في موقف لا يتسع لسيارتين. الشكاوى الواردة من مخالفات مواقف السيارات في إمارة الشارقة كثيرة.
وهي إلى جانب تسببها في عبء مادي على الأسر والأفراد، تتسبب في أزمة نفسية يبقى سكان البنايات رهناء لها دون أن يجدوا لها مخرجاً، فأسعار الإيجارات مرتفعة في بنايات لا يوفر غالبيتها مواقف للسكان، وان وفرت ففي مساحات رملية تقع بالقرب منها وربما لا تتسع لربع سكان البناية. الأمر الذي يجعلنا نتساءل: ماذا يفعل السكان ليأمنوا المخالفات والحوادث التي تكلفهم أحياناً آلاف الدراهم؟
لا ننكر على الشرطة في الشارقة حرصها على التزام السائقين بالوقوف في الأماكن المخصصة لهم لكي لا يتسببوا في عرقلة حركة سير، ولا في تشويه شوارع وطرقات الإمارة، لكن المثل يقول «إن أردت أن تطاع، فاطلب المستطاع»، فالالتزام بالمواقف المخصصة للسيارات أمر يصعب على سكان تلك البنايات لعدم توافر المواقف.
ودفع المخالفات أيضاً أو تعريض سياراتهم للحوادث أمر أشد وأكثر صعوبة أيضا، لذا فإن الحل لابد وان يكون في إعفاء أصحاب تلك السيارات من المخالفات لاسيما التي لا تعرقل حركة سير كخطوة أولى تسبق خطوات أخرى قد يكون أحدها إجبار أصحاب البنايات السكنية على تخصيص مواقف للسكان مستقبلا، في مساحات يستثمرون فيها للمواقف بدل الاكتفاء بتحصيل الإيجار السنوي.
والاهم من ذلك كله أن تكون المواقف المخصصة في البنايات للسكان شرطاً أساسياً لإجازة أي مشروع سكني لكي لا تتكرر المشكلة مستقبلا. وهو الجانب الذي ينبغي أن تحرص عليه البلدية التي تخطط المناطق وترخص للمباني، فإنشاء البنايات يتطلب تخطيطا جيدا يضع في اعتباره احتياجات سكان المنطقة، ويضع في اعتباره انسجام هذه المباني مع قوانين الإمارة التي لا ينبغي تجاوزها بسبب سوء تخطيط أو تنفيذ.
فالعبرة ليس في تكديس البنايات ونصرة الملاك فيها على المستأجرين، ولا في أموال تجمع من مخالفات تبقى الأسر أولى بها، لكن العبرة تكمن في إيجاد بيئات سكنية تقل فيها الضغوط النفسية والاقتصادية على السكان قدر الإمكان.
فإذا كانت الأسرة تدفع رغما عنها شهريا الألف درهم وربما أكثر نظير وضع أجبرت عليه، فكم سيتبقى للأسرة لتواجه متطلباتها وتكاليف المعيشة؟
نأمل على شرطة الشارقة أن تتفهم أزمة سكان البنايات، وأن تلتفت إلى هذه المسألة فتوجد حلولا لسكان ضاقوا ذرعا ولم يعد بإمكانهم إنفاق المزيد على مخالفات ترهق جيوبهم.
