لن ندخل في جدال حول حقيقة أن بعضاً من الدول العربية كمصر وبلاد الشام كان لها السبق في التعريف بالتعليم الحديث في المنطقة، بل لن ندخل في نفي حقيقة أن التعليم قد اعتمد في بداياته على المدخلات البشرية والفكرية لهذه الدول وبات نتيجة لذلك نظامنا التعليمي متناغماً من حيث المدخلات البشرية والفكرية ولربما السياسية لهذه الدول، بل إنه في الكثير من أوجه وظائفه لا يختلف عن وظائف الأنظمة التعليمية التي استقينا منها مدخلاته الأولى.
إلا أن هذا النظام وإن بدا قادراً على أداء وظائفه قبل خمسة أو ستة عقود، إلا أنه ونتيجة لتحولات الاقتصاد العالمي وتغير وظائف وطرائق التعليم أضحى نظاماً «معطوباً»، وبناءً على ذلك أصبحنا نُعاني من «عطب» مخرجات نظامنا التعليمي الذي بدا أنه غير قادر على إكساب الداخلين فيه المهارات الجديدة، ليس فحسب المهارات في المعارف الأساسية الثلاث:
في اللغة والرياضيات والعلوم والمهارات الفنية الجديدة وإنما بدا كذلك عاجزاً عن إكساب الداخلين فيه المهارات الاجتماعية والسياسية والثقافية الجديدة، وهي المهارات التي لم تعد الأطر والمؤسسات التقليدية قادرة على القيام بها.
وهي في هذا تُمثل ذات الاعطاب التي تعاني منها الأنظمة التعليمية في هذه الدول. وعندما ننظر إلى طواقم التعليم في منطقتنا وخبراءه نجد أنهم يمثلون امتداداً للحالة التي عليها نظامنا التعليمي في سنواته الأولى، لذا فإن إمكانياتهم على التغيير تبقى محكومة بالمساقات التي في ضوئها تشكلوا اجتماعياً وفكرياً.
ويدخل في هذا الإطار موقف الدولة ورؤيتها للتعليم أي الوظيفة التي تريد الدولة أن تنجزها من خلال النظام التعليمي أو تلك الوظيفة المنوطة به. فالدول التي استوردنا منها أنظمتنا التعليمية مازالت محكومة برؤية وأفق ونظرة الدولة المؤدلجة، رغم فشل ذلك في بعضه.
كما إنها مازالت محكومة بالهوس الأمني وموقفه من التعليم، وهو الموقف الذي شكل جزءاً من موقفها من النظام التعليمي، وهو في جله موقف «أمني».
أي ان بعضاً من الدول العربية لا ينظر للتعليم فيها كأداة من أدوات التغيير وبالتالي التكيف معها والقبول بحقيقة ان التغيرات التي قد يأتي بها هي جزء من سنة الحياة، ولم يعد بالإمكان التغاضي عنها أو تحريف مسارها.
وهي مهمة لا يمكن أن تتم إلا في إطار القبول بريادية التعليم في أي عملية تغيير جادة، وإن مثل ذلك الأمر لا يمكن أن يتم بانتقائية مفرطة. فكل تجارب الدول التي وظفت التعليم بانتقائية غير متوازنة تلكأت فيما بعد في مسارها التنموي، الذي لا يمكن أن ينفصل فيه المسار الاقتصادي عن التحديث السياسي، كما لا يمكن أن يتم ذلك في حيزه الاجتماعي دون الثقافي.
أي هل يرى السياق السياسي في التعليم أداة مهمة من أدوات التغيير، أم أنه يرى فيه أداته لاستمرارية الوضع القائم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، وهل يمكن أن يسمح للتعليم بأن يقود التغيير أم أنه سيبقى الفضاء الذي لا يسمح فيه إلا باكتساب بعض من المهارات ذات الحاجة في إدارة الدولة وفي النهوض الاقتصادي دون أن يأتي ذلك على مركب مراتب الأفراد والجماعات الاجتماعية، هذه المراتب التي باتت عناصرها الذاتية احد أهم منغصات ومعوقات عمليات التحول في المنطقة.
وفي الحقيقة فإن إصلاح التعليم يتطلب توافر ثلاثة عناصر أساسية: أولها: إرادة سياسية لا ترى في التعليم أداتها في أحداث التحول فحسب، وإنما ترى فيه أداة نهضتها التي لا يمكن لها أن تتحقق دونها، ليس في معطاها الاقتصادي وإنما في معطياتها المجتمعية الأخرى، وأن تتجاوز بها في أحايين كثيرة الأطر المعرفية القائمة وأن يكون أداتها في التشكل المجتمعي الجديد ضمن صورة ورؤية واضحة للواقع القائم وتلك الصورة المرسومة للمستقبل.
وثانيها: ضرورة توفر قيادات وعناصر بشرية قادرة على إصلاح التعليم بأفق جديد يتجاوز في أحايين كثيرة بعضاً من المرجعيات التقليدية والتوظيفات السياسية لبعض من قوى الإسلام السياسي الماسكة بمفاصل العملية التعليمية في جل المنطقة العربية.
وهي في هذا تمثل أحد أهم عناصر إخفاقاتها رغم تربعها على قيادته للثلاثة أو الأربعة عقود الماضية، وأن يتم من خلالها تجاوز التوظيفات السياسية الفجة والخالية من اللياقة والكياسة لبعض القيم السياسية السائدة والمعيقة لأي عملية متوازنة للتحديث السياسي.
وثالثها: احداث تغيرات في هياكل النظام التعليمي القائم وفي أنماط وأطر عمليات التمدرس في داخل الفصل الدراسي وفي المدرسة وفي الأدوات التعليمية، والعمل على تغيير مدخلاته الفكرية والحرص على ان لا يكون مكاناً للفاشلين والساقطين من الناس في تعليمهم وحياتهم، وأن لا يكون وعاء حاضناً للأفكار المتشددة والنزوع المتطرف اللا متسامح مع الآخر في المجالين العام والخاص، وفي أطرها الدينية كما هي الاجتماعية.
فنظامنا التعليمي ولأسباب كثيرة قد أصبح مجالاً لنشر الأفكار غير المتسامحة عن الآخر، ليس عبر الكتب والوسائط التعليمية وفي اللوائح ولربما الأنظمة وإنما بات ما تنقله المُدَرِسة أو المُدَرِس من أفكار وتوجهات سياسية وقناعات دينية خاصة وأحياناً نزعات طائفية جامحة للفصل الدراسي والمدرسة، أو ما قد يأتي به الطالب من البيت والمجتمع المحلي وما يتم نقله أحياناً من بعض المؤسسات الدينية للمدرسة.
وما يُنقل للمدرسة من خلال المحاضرين الخارجيين وبعض الدعاة، من ثقافة وتوجهات وتوجسات ومواقف من الآخر المحلي والآخر الخارجي هي في واقع أمرها تمثل بحق أحد كوارث ومنغصات نظامنا التعليمي. بل إنها أحد أهم أسباب الفشل في الوصول إلى الغايات المنشودة منه.
كاتب بحريني