بأي حق أو مبرر تُنصِّب أميركا نفسها وصياً على البشر؟

كما هو دأبها كل عام أصدرت وزارة الخارجية الأميركية قرب نهاية الأسبوع الماضي تقريرها السنوي حول أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم. وكما هو دأبها أيضاً فإن الدول مصنفة وفقاً للهوى السياسي الأميركي.

في مقدمة التصنيفات يأتي التقرير على ذكر عدد من الدول «بقيت فيها السلطة بين أيدي قادة لا يخضعون لأي محاسبة»، ويكفي أن تطالع سريعاً أسماء هذه الدول لتجد أنها مستهدفة بعداء مسبق وراسخ من واشنطن لأسباب تتعلق أولاً بأن هذه الدول تنتهج نهجاً استقلالياً في ساحة التحرك الدولي.

أو ثانياً لأن نهجها يُشكّل خطراً على أمن إسرائيل، من بين هذه الدول إيران ببرنامجها النووي الذي قد يتطور إلى ترسانة نووية تؤدي إلى تحييد الاحتكار النووي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وسوريا التي تتشارك مع إيران في دعم المقاومة اللبنانية المسلحة المتمثلة في «حزب الله» ضد إسرائيل، وكوريا الشمالية وكوبا اللتان تمثلان نموذجاً اشتراكياً ناجحاً في العالم الثالث بالمقارنة مع فشل نموذج اقتصاد السوق الرأسمالي في الدول النامية.

بالمقابل يمتدح التقرير الأميركي دولاً أخرى مثل موريتانيا لا لأن سجلها في مجال حقوق الإنسان قد تحسن كما تدعي واشنطن لكن لأنها تعترف بإسرائيل وتتبادل معها علاقات دبلوماسية متنامية.

ومن المثير في تقرير هذا العام أن اسم الصين أسقط من «القائمة السوداء» المرفقة مع التقرير والتي يطلق عليها قائمة «أسوأ منتهكي حقوق الإنسان المنهجيين في العالم». حتى العام الماضي كانت الصين في مقدمة «أسوأ المنتهكين»®. فماذا جرى؟

في ذلك العام ردت بكين عملياً على التقرير الأميركي بتقرير صيني مفصل يسرد انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها مؤسسة السلطة الأميركية نفسها داخل الولايات المتحدة وخارجها. ومن الواضح أن واشنطن قد عمدت الآن إلى تخفيف انتقادها للصين خوفاً من أن ترد بكين بالمثل مرة أخرى. بل إن التقرير الأميركي الجديد يذكر أن الحكومة الصينية «أجرت عدداً من الإصلاحات المهمة».

إجمالاً يعتبر هذا التقرير السنوي الأميركي تدخلاً سافراً في شؤون الدول الأخرى فوق أنه وثيقة غير موضوعية وضعت انطلاقاً من اعتبارات سياسية ذاتية.

إن واشنطن ليست المرجعية العالمية المشروعة لحقوق الإنسان. وهذا بدوره يقودنا إلى تساؤل كبير: ماذا عن أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة نفسها.. كما سبق أن تساءلت الحكومة الصينية؟

قبل أيام معدودات من صدور التقرير الأميركي لهذا العام الأسبوع المنصرم استخدم الرئيس بوش سلطة الفيتو المخولة له دستورياً ليلغي مشروع قانون إجازة الكونغرس يحظر على الأجهزة الأمنية الأميركية ممارسة وسائل التعذيب على المعتقلين لانتزاع معلومات واعترافات.

وهكذا وفي أكبر دولة عظمى «ديمقراطية» في العالم يصبح التعذيب مقنناً وبالتالي مشروعاً. وعلى الطريق الآن مشروع قانون آخر يجيز للأجهزة الأمنية مواصلة عمليات التجسس الهاتفي على المواطنين «المشتبه بهم» دون إذن قضائي.

وفي هذه الأثناء يبقى معسكر غوانتانامو ومعتقلات التعذيب الأميركية السرية في بلدان شرق أوروبا والسجون المقامة على سفن راسية في المياه الدولية رموزاً حية للرؤية الأميركية لحقوق الإنسان.